المحتوى الرئيسى

إصلاح العقلية الجمعية

ما كان للّذي يحدث الان في طول وعرض بلاد العرب من حشد لالوف الجهاديين التكفيريين، ومن حصولهم علي مدد ودعم مالي ومعنوي لا ينضب، ومن تعاطف هائل علي شبكات التواصل.. ماكان لكل ذلك الجنون ان يحدث لولا وجود خلل تاريخي متجذِّر في تركيبه ومكونات العقليه الجمعيه العربيه وعقل المجتمعات التي نشات عبر القرون.

لقد جرت محاولات عدّه لتشخيص المصادر التي كونت ذلك العقل، والمنهجيات التي يعمل من خلالها، وتاثيرات البيئه واحداث التاريخ والاساطير الشعبيه المتداوله في الماضي السحيق والاديان المتعاقبه علي المنطقه التي عاش فيها العرب او ما حولها. ووصلت تلك المحاولات الي نتائج متباينه ولكن بالغه الاهميه.

في اعتقادي ان ما يهمنا، في اللحظه الحاليه من مسيره امتنا العربيه، هو العوامل الثلاثه التاليه، التي تفعل فعلها يوميا وبتاثيرات بالغه، في الحياه العربيه المليئه بالفواجع وعدم التوازن العقلي:

اولا: الكهنوت الفقهي، فما عادت مؤسسه الفقه الاسلامي تقوم علي جهود جماعه صغيره من علماء الدين المجتهدين والمحدثين. لقد اصبحت شبكه متناميه في اشكالها وانواع انشطتها وساحات عملها ومنابرها وصفات الناشطين فيها امتدادا من العقل والتقوي الي اقصي درجات الجنون وانعدام الضمير. لقد اصبح تاثير تلك الشبكه علي الناس والمجتمعات تاثيرا جارفا وكاسحا لكل الحدود ولكل المناعات السابقه.

بعض هؤلاء يبنون في الجيل الشاب عقليه متزمته منغلقه استئصاليه، يؤججون في عقول اتباعهم مشاعر طائفيه كارهه حاقده، يتجرّءون بخفه وانتهازيه علي منجزات علوم الطب والاجتماع والنفس والسياسه واستبدالها ببحر من الشعوذات والخرافات والقراءات الدينيه الخاطئه والكاذبه، يرفضون الكثير من مسلمات العصر بالنسبه لحقوق الانسان، وعلي الاخص حقوق المراه المسلمه، ولاسس الحكم الصالح، وعلي الاخص الديموقراطيه، يضعون هاله من القداسه علي شخصيات واحداث تاريخيه منتقاه لخدمه اغراض سياسيه انتهازيه نفعيه.

نحن بالفعل امام محاوله من قبل البعض لبناء مؤسسه كهنوتيه مشابهه للكهنوتيه الكنسيه في القرون الوسطي. وهي لا تترك مجالا من مجالات الحياه العربيه الا وتحاول الهيمنه عليه من خلال اعلاء يصل الي حدود القداسه لتراث فقهي يعرف القاصي والداني ان فيه الغث المدسوس المخالف لروح الاسلام السمحه وعدله.

ثانيا : السلوكيات القبليه البدويه، فكثير من الاعراف والممارسات البدائيه التي حاربتها الثوره الاسلاميه المحمديُه ولم تنجح في استئصالها مازالت معنا، بل ــ واخيرا ــ تزداد قوه وترسخا. في قلبها يرزح الانحياز الي الذكوره علي حساب كرامه الانوثه متمثلا في اجلي صوره في احتقارها وفي ارتكاب جرائم الشرف باسم حمايتها، وترزح اشكال من التعصب للقبيله والعشيره واشكال من التفاخر بالنسب والاصل. وهي وراء احتقار العمل اليدوي والمدح الكاذب والهجاء الفاحش وعدم الانضباط في اشكال من الانظمه.

وعلي الرغم من القول الشهير المنسوب الي رسول الاسلام بان «ليس منّا من دعا الي عصبيه»، فان العصبيه القبليه تهيمن علي الحياه السياسيه كالانتخاب علي اسس قبليه بحته وعلي الحياه الوظيفيه كالتعيينات من خلال الواسطه.

ثالثا : تاثيرات الثقافه النيوليبراليه العولميه، فهذه تجتاح الوطن العربى مثلما تجتاح العالم. وما يهمنا هنا هو المحاوله الخطره لقولبه الانسان في شكل كائن استهلاكي نهم لكل اشكال الانتاجات الماديه من جهه والمعنويه الغرائزيه السطحيه العابره من جهه اخري. وينتهي الانسان ليصل الي ذاتيه انانيه مريضه منفصله عن مجتمعها ورافضه لكل التزام تجاه الاخرين. انها محاوله لاعلاء الحسي علي حساب العقلي والاخلاقي والي اعلاء الذاتي علي حساب الجمعي والتعاضد الانساني.

مصدر الخبر : الشروق

اخبار متعلقة

اضف تعليق