المحتوى الرئيسى

محمد نشبت يكتب سماء لا تعرف التحليق عن المطار الغَزِّي ساسة بوست

محمد نشبت يكتب: سماء لا تعرف التحليق : عن المطار الغَزِّي | ساسة بوست 08/24 05:13

منذ 1 دقيقه، 24 اغسطس,2015

في احدي صباحاتِ تموز الحارقه, قررتُ ان ارفه عن نفسي باجازه سنويه, بعد ان ادخرت جل رفاهيتي لموسم كامل, مقررا السفر الي قبرص الجميله. لحضارتها شبه العربيه, وتفاصيلِ حياتها الاوروبيه، قبرص , بلد يُبهرك باماكنه السياحيه. لطالما طالعتُ اعلانات الرحلات اليها, والتي تنظمها بعض شركات السياحه العامله هنا.

اخبرتُ بعض الاصدقاءِ؛ علهم يشاركونني اسبوعاً من المتعه .. ” فالجنه بدون ناس ما بتنداس”  جهزت حقيبهً صغيرهً, تكفِي لقضاء اسبوعٍ من المتعَه, وتجديد الروح، عبرَ هاتفي الصامت حجزت مقعدا علي اول طائره مغادره الي جمال قبرص .

في السادسه من اليوم التالي اتجهتُ وبعض الاصدقاء الي رفح; حيث مطار غزة الدولي. او كما يحب ان يسمّي سكانُ غزه مطارهم الوحيد ( بمطار ياسر عرفات ) .

في رهبه مطار الياسر سرنا بعض الخطوات, تحفنا الحضاره الشرقيه كامله، برائحتها, تفاصيلها, براعتها, هندستها اتقانها, وعراقتها. للوهله الاولي من دخولك المطار تشعر انك في مطار الدار البيضاء, بالمغرب العربي. لشده التشابه في الهندسه المعماريه.

استقبلنا رجلٌ جميل المظهر لا تفرق بين بياض ملابسه وبياض القباب المعماريه,  ختم الجوازات وفحص تذكره الطائره بينما رمقتُ بنظره اعجاب ـ بالقرب من قلبه ـ دبوس يشير للخطوط الجويه الفلسطينيه، ثغرهُ باسمٌ، يداه انيقتان وهما تختمانِ الاوراق, بينما يخاطبنا  بحديث لبق وسريع لا يشعرك بالملل مطلقا .

وانا اتفقدُ بعض الرفوفِ في السوق الحره القريبه من صاله الانتظار, تسلل لمسامعي صوت نسائي جميل يقول:

” النداء الاخير للرحله رقم (205) والمتجهه الي قبرص, يُرجي من الركابِ التوجه للبوابه (رقم 5) استعداداً للصعودِ الي الطائره مع تمنياتنا لكم برحله سعيده “.

خرجنا من البوابهِ المخصصه الي باص يخلو من المقاعد تقريباً، سرنا مسافه بسيطه عبر المدرج حتي وصلنا للطائره، علي باب الطائره, تستقبلكَ مضيفه الطيران بزيها الازرقِ يزين عنقها الكوفيه الفلسطينيه, جميله هي ، جل ما تشعر به جمالها الفاتن! سرعان ما باغتنِي صديقي غامزاً لي بطرف عينه : ” يخرب بيت اليهود ما احلاها  مختارينها عالفرزاه ” فيما كانت عيناي تراقب حركاتها, وكيفيه توزيعها للركاب, فتضفي راحهً نفسيهً غامره. سيما لاولئك الذين يطيرون لاول مره في الهواء.

جلسنا في امكاننا المحدده، كان مقعدي بجوارِ شبّاكِ الطائره . بصراحه لم احلم باكثر من ذلك, وانا اطير فوق المتوسط الجميل, ها هو كابتن الرحله عبر الميكرفون الخاص بقمره القياده يحدثنا متمنياً لنا رحله سعيده, علي متن الخطوط الجويه الفلسطينيه, بينما وزع المضيفون علي ثلاثه اماكن في الطائره: ( المقدمه والوسط والمؤخره ). موجهين جمله من نصائحِ الامان للركابِ,  في حال حدوثِ مكروه ـ لا سمح الله ـ اثناء الرحله ويؤكدون علي ضروره ربط حزام الامان قبل الاقلاع, وبين الفينه والاخري يوزعون ابتساماتهم الجميله.

لحظاتُ سير الطائرهِ علي المدرج حتي انطلاقها للجو لحظاتٌ رائعه بخوفِها, بجنونها, وروعتها.  وتبقي التجربه الاولي فيها مصاحبهً لك في كل رحله طيران ( الانطباع الاول يدوم  ).

بضعُ دقائقٍ كانت كفيلهً ان نترك غزهَ خلفنا! والعين تبصِرها من زجاج النافذهِ الشمال. وقد تشكلت لوحه فنيه يلتقي فيها الشاطئ, بمساحتها العمرانيه, والشمس في ساعه الغروب زادتها جمالاً. اشعر وكانك معي في الرحله، انت لا تعرف الطائره! ولم تطر ولو لمرهٍ واحده؟ حسناً,  في الطائره اذا نظرت لاعلي تجد ثلاثه ازرار, لكل منها وظيفه: احدها للاناره, واخر لطلبِ المساعده, والاخر قد يكون للتكيف, وذلك حسب صنع الطائره والدرجه التي حجزت بها للرحله.

عموماً الرحلهُ من غزه الي قبرص, لا تتجاوز الساعه بحد اقصي .. اطفاتُ زر الاناره وسهوت قليلاً, وقفزت بتخيلاتِي خطوات الي الامام, جلت سريعاً في ابرز الاماكن التي سنزورها, الصور التذكاريه التي سنلتقطها, الطعام الذي سنتناوله, السهرات الممتعه التي سنقضيها, والهدايا التي سنعود بها الي الاهل والاحبه.

يبدو ان مطباً هوائياً ايقظني. لا انه مطبُ الواقع الذي نحياه. اوقف سيل تخيلاتي! رجل في العقد السادس من عمره, عندما القي علي السلام وسالنِي عن سبب وقوفي في مكان خالٍ, مدمر؟ فقلت له: ابداً كل ما هنالك اني رغبتُ ان اعيد ذكرياتي الجميله عندما كنا نملك مطاراً, كان ذلك يا عمِّ قبل سته عشر عاما تقريباً.

لحظه من الصمت عمتْ المكانُ قبل ان يخبرنِي انه كان احد العاملين في المطارِ ثم تابع صحيح لم تكن وظيفتي مرموقه, ولم اصعد الطائره يوماً ما لكن كنت اعرف كل شيء عن المطار. ” ايهِ يا بني”  لم يستمر الحلم سوي ثلاث سنوات, وبعدها استمروا في قصف احلامنا, سنوات طويله كانوا يدركون انه مطار سيادي لذلك محوا معالمه كامله.

اخبرني ان المطار كان قادراً علي نقل (700,000) مسافرٍ سنوياً وكان يعمل 24 ساعه علي مدار اليوم، بحركه خفيفه من يديه, تنمُ عن حب للمكان، اخبرني انه يقع علي ارتفاع (320 قدم)، اي: (98 متر) عن سطح البحر.

يبلغ طول مدرجه (3,076) متراً. يوجد في المطار (19) مبني. المبني الرئيس في المطار مساحته (4000) متر مربع، مصمم وفق العمارهِ الاسلاميه ومزخرف بالقرميد المغربي, طاقم موظفي المطار يضم (400) شخص فقط, يعملون كخليه نحل لا تكل ولا تمل, كانوا يدركون انهم جزء من سياده هذا الوطن.

مصدر الخبر : ساسة بوست

اخبار متعلقة

اضف تعليق