المحتوى الرئيسى

عن الصين العظمى أكتب

عن الصين العظمى.. أكتب 10/15 10:18

سجلت في هذا المكان قبل ايام ملاحظاتي عن زياره الرئيس الصيني «شي» للولايات المتحدة، كنت قد ابديت اهتماما بهذه الزياره الي حد لفت انتباه اصدقاء كثيرون. اما مبررات هذا الاهتمام فهي في مجملها تلك الملاحظات، التي اوردت بعضا منها في مقال سابق.

كتبت عن الرئيس الصيني الذي ذهب الي امريكا وفي يده ولاول مره «اوراق ــ موقف» position papers تتعلق باهداف السياسة الخارجية الصينيه في الامم المتحده وافريقيا وأمريكا اللاتينية. جاءت هذه الاوراق اضافه الي رؤي صارت واضحه لمستقبل علاقات الصين بالولايات المتحدة وبالغرب عموما. بمعني اخر، ذهبت الصين الي امريكا هذه المره لتقول باعلي صوت ممكن وعبارات بالغه الوضوح انها صارت جاهزه لتتعامل بايجابيه مع المسئوليات التي ستلقي عليها باعتبارها احدث الدول العظمي. كتبت ايضا عن هيمنه نظريه «الثنائيه الاستراتيجيه» علي كتابات الباحثين، والمعلقين الامريكيين. كان واضحا خلال الزياره، وقبلها، ان القياده الدوليه، في نظر هؤلاء، سوف تستقر قريبا في شكل قطبيه ثنائيه جديده رغم ان روسيا تبذل جهدا خارقا في الداخل والخارج، والان في سوريا والشرق الاوسط وشرق اوروبا لتجعل القياده اقرب الي التعدديه القطبيه، او في احسن الاحوال ثنائيه مختلطه بقدر لا باس به من تعدديه تشارك فيها روسيا مع دول اخري في مجموعه البريكس ومع المانيا منفرده او المانيا تقود الاتحاد الاوروبي.

في مقال اليوم اضيف ملاحظات اخري استكمل بها مبررات اهتمامي بهذه الزياره التي دشنت، في رايي، مكانه الصين في النظام الدولي. فقد لفت نظري علي سبيل المثال، ونظر اخرين بطبيعه الحال، هذا الزخم من نشاط رجال الاعمال الصينيين، خلال الزياره وقبلها. اعرف، ويعرف كثيرون ان رجال المال والاعمال يلعبون منذ سنوات دورا رئيسا في اقتصادات وسياسات دول عديده، بل وفي النظام الدولي وعديد النظم الاقليميه. يعرفه من راقب عن قرب تطورات الازمه الماليه والاقتصاديه، التي ضربت معاقل مهمه في الاقتصاد العالمي، ويعرفه من راقب تفاصيل الازمه اليونانيه وشبكه تعقيدات الحلول والبدائل التي تصدت للحل وضغطت علي السيده ميركل. يعرفه ايضا كل من حاول فهم المعضله الاهم في علاقات النظام الحاكم بالمجتمع العميق في مصر.

لم يكن مفاجئا لي الطلب الصيني ان تسبق زياره الرئيس لواشنطن العاصمه زياره اطول الي واشنطن الولايه. هناك في هذه الولايه النائيه يوجد احد اهم قلاع قطاع الاعمال في امريكا. ذهب الرئيس شي الي سياتل ليجتمع مع رؤساء اهم الشركات في العالم مثل ميكروسوفت وابل والشركه المنتجه لطائرات بوينج، وهذه جاري التفاوض معها علي نقل الجانب الاكبر من انتاجها الي الصين، المهم في هذه الزياره الجانبيه او لعلها الزياره الرئيسيه ان مخططيها والمستفيدين منها كانوا من جماعه رجال الاعمال الصينيين، لم يعد خافيا، وبخاصه خلال الزياره وبعدها، ان دور رجال الاعمال الصينين في التاثير علي السياسه الخارجيه الصينيه تجاوز الخط الاحمر في نظام عمل الحزب الشيوعى الصينى وقواعد الحكم في بكين، السؤال الذي يستحق من الباحثين الصينيين خاصه الاهتمام بالاجابه عنه، ويستحق منا انتظار هذه الاجابه، هو المدي الذي وصل اليه نفوذ هذه الجماعه في عمليه صنع السياسه الخارجيه للصين، خاصه ان بعضنا يعرف ان هذه الجماعه لم تحصل بعد علي حقها في التمثيل اللائق في المكتب السياسي او اللجنه المركزيه للحزب الشيوعي الصيني. الامر المؤكد بالنسبه لجميع الساعين لفهم حقيقي لتطور النظام الصيني هو الحاجه الي التدقيق في الاساليب التي تستخدمها هذه الجماعه، من خارج اجهزه الحزب، في تنفيذ اهدافها ومصالحها. جدير بنا ان نسعي لفهم طبيعه العلاقات التي تربط بين الشركات العملاقه الصينيه وقريناتها في امريكا. لا يكفي ان نكتشف بين الحين، والاخر ان كل الشركات الصينيه تتجسس علي الشركات الامريكيه والعكس صحيح. اعتقد ان شبكه علاقات التعاون والتاثير المتبادل علي السياسيين اقوي بكثير من كل ما يقال عن عمليات قرصنه سيبرناطيقيه.

لاحظنا كذلك خلال الزياره الرسميه والمفاوضات الدبلوماسيه غيابا لافتا لموضوعين اساسيين، احدهما داخلي وعلاقته بالسياسه الخارجيه تبقي غير مباشره، والاخر خارجي وله علاقه مباشره بمستقبل السياسه الخارجيه. دفعتنا المشروعات والخطط الاستثماريه والتجاريه التي نفذتها الصين في الخارج او اعلنت عن قرب تنفيذها الي التفكير في حدود قدره الصين علي توفير العدد الكافي من المواطنين في سن العمل لتنفيذ هذه المشروعات الخارجيه كثيفه العماله. مره اخري نكتشف ما لم يكن ممكنا قبل اربعين او خمسين عاما تصور حدوثه في المستقبل، وهو ان الصين يمكن ان « تشيخ» بسرعه، بمعني انها صارت تفتقر الي العدد الكافي من الشبان في سن العمل والانتاج. تزداد اهميه هذا الاكتشاف من نواحي دفاعيه واستراتيجيه عند مقارنه الصين بالهند، امه تسير بخطي سريعه نحو الشيخوخه وامه تزداد شبابا، بكل ما تحمله المقارنه من معان واحتمالات وانعكاسات اجتماعيه وسياسيه.

مصدر الخبر : الشروق

اخبار متعلقة

اضف تعليق