المحتوى الرئيسى

ماذا لو كان مشروعنا القومى الأساسى هو التعليم

ماذا لو كان مشروعنا القومى الأساسى هو التعليم 12/24 08:21

فى جزء سابق من هذا الحوار قمنا بالتساؤل فى أولويات سياسة المشاريع القومية التى يدفع بها الرئيس، وتم طرح بديل فى إعادة بناء التعليم ليكون المشروع القومى الأساسى الذى يمكنه مواجهة مشاكلنا الاقتصادية والأمنية بصورة مستدامة على عكس الحلول المسكنة محدودة الرؤية التى طالما لجأت إليها نظم الإدارة المصرية المتعاقبة. وعلى نقيض الافتراضات السائدة تبين لهذا المشروع مردودات اقتصادية قصيرة المدى على القوة الشرائية للعائلات المصرية، بالإضافة إلى مردوداته طويلة المدى فى حل مشاكل التطرف الفكرى والإنتاجية المتدنية. وبما أن أرقام موارد المنظومة التعليمية تبين أنها، وإن كانت ضعيفة، إلا أنها ليست بالتدنى الذى يبرر الفشل الذريع الحالى للمنظومة، فبالتالى يكون غياب منظومة إدارة فاعلة وانعدام التخطيط الحديث وسوء توزيع الموارد هم المبررات الأساسية للفشل. أما غياب الرؤية والإرادة السياسية لمعالجة المشكلة فسببه هو استخدام منظومة التعليم خلال العقود الماضية لأغراض التحكم والسيطرة بدلا من التعليم والتنوير.

ولكى نناقش كيف نبنى منظومة جديدة (فالإصلاح فقط ليس كافيا) يجب أن نبدأ بقراءة صريحة لواقعنا لتحديد أفضل استراتيجية للمواجهة الفعالة.

ونقطة البداية هى الاقرار بأن التعليم منظومة متكاملة توجهها رؤية واحدة غير قابلة للتفتيت إلى أربع وزارات بأربع رؤى مختلفة ثم ثلاث ثم اثنتين ثم ثلاث مرة أخرى...!

إما أننا مجتمع يؤمن بالعلم كمنهجية وفلسفة نهوض، أو أننا نكتفى بالشهادات والألقاب. إما أننا مجتمع يؤمن بمغزى اختيار المولى عز وجل كلمة «اقرأ» لتكون أول كلمة تنزل فى القرآن الكريم، أو أننا نكتفى بترتيل القرآن ترتيلا. العلم فلسفة ومنهجية متكاملة قبل أن يكون مجموعة مواد أو تخصصات، وإذا اعتنقناها تصبح الأساس الذى يتم تقييم الواقع على أساسه ومن ثم اتخاذ القرارات والحلول اللازمة. الرؤية الموحدة والتى ينتج عنها استراتيجية وخطط تنفيذ مترابطة تبدأ بقراءة متعمقة للواقع القائم للمجتمع بإمكانياته المادية والبشرية بما لها وما عليها لتحديد أهداف طموحة للأمد الطويل، وأهداف واقعية للأمد القصير لا تتعارض مع الأساسية أو تسبب إعاقة أو انحراف لمسارها.

قراءة الواقع: الفرد المصرى والصناعة المصرية فقدا قدراتهما التنافسية بدون تنافسية فى السوق المعاصر والذى يتسم بالشراسة معناه الفناء الاقتصادى والتبعية السياسية، ومن ثم فهدفنا الأول يجب أن يكون إعادة بناء فرد منتج منافس ومن ثم صناعة منتجة منافسة (وبالصناعة هنا أعنى جميع نظم الإنتاج خدمية كانت أو صناعية).

قراءة صريحة لواقعنا اليوم تطلعنا على طفل مصرى فاقد لإيمانه بجدوى العلم فهو يرى مجتمعا تنعدم فيه الصلة بين العلم والنمو، فتعلم البحث عن الحلول السريعة للوصول لغايته. أما رب العمل فهو الآخر فقد إيمانه بمؤهلات العنصر البشرى المصرى، يراه قليل الإنتاج يسعى فقط وراء الكسب السريع، وبالتالى فهو لا يستثمر فى تطويره حتى وإن تسبب ذلك فى إنتاجية وربحية أقل، وهو قمة التناقض! والنتيجة بالطبع تكون انعدام القدرة التنافسية للطرفين فى الأسواق المحلية والعالمية. بالنسبة للمخرج البشرى يترجم ذلك فى بطالة عالية إلى جانب فرص عمل كثيرة لا تجد العمالة المؤهلة التى تشغلها. وفى المخرج الصناعى والخدمى يترجم إلى منتجات وخدمات مصرية الصنع غير قادرة على المنافسة مع مثيلاتها الأجنبية حتى مع الحكومة المحلية والتى تشترط فى كثير من عقودها توفر الموارد والخبراء الأجانب لعدم إيمانها هى الأخرى بالمخرج المصرى.

بناء تنافسية للصناعة المصرية ليس اختياريا، هو ضرورة حياة أو موت، بل هى مشكلة الأمن القومى الأولى، وبالتالى لا يمكن تأجيلها خمس أو عشر سنوات، ومن ثم فعلينا انتهاج خطة ذات مسارين أحدهما يوجه لحلول على المدى القصير وليكن مدتها ى سنوات بمثابة خطة انقاذ وطنى، أما المسار الآخر، والذى يفعل بالتوازى للأول، فيوجه للحلول طويلة المدى ولتكن مدة هذا المسار سبع سنوات. وتحدد الأهداف بعيدا عن مواضيع الانشاء الصحفية كالآتى:

1. المسار السريع للاستراتيجية: هدفه رفع قيمة وكفاءة المخرج البشرى بسياسة موجهة إلى أهداف إنتاجية محددة تعود بنفع مباشر للفرد والاقتصاد فى آن واحد، والأهداف تكون:

• رفع إنتاجية وكفاءة القطاعات الخدمية وبالذات التى تؤثر فى جودة حياة المواطن بنسب ملموسة فى مدة الخطة المحددة، من خلال عناصر بشرية مؤهلة ومدربة على تنفيذ منظومة خدمات حديثة تساهم بالأخص فى تحسين جودة وكفاءة أداء منظومة الخدمات التى يعتمد عليها المجتمع ليكون هو الآخر قادرا على التركيز على إنتاجيته، ويشمل ذلك خدمات مثل الكهرباء والمياه والطرق إلى جانب الخدمات الإدارية الأخرى المعنية بتيسير احتياجات المواطن مثل الشهر العقارى والسجل المدنى والضرائب.

• رفع إنتاجية وكفاءة القطاعات الصناعية والزراعية التى أظهرت فرصا للتوسع فى صادراتها على المدى القصير إذا ما عالجت مشاكل قدراتها التنافسية مثل الغذائية والرخام والسيراميك والسياحة، ويحدد هدفا كميا لدراسة تأثير ذلك على الناتج القومى فى خلال مدة الخطة.

ويهدف هذا المسار إلى انقاذ ما يمكن انقاذه من الطلاب الملحقين حاليا فى المنظومة من خلال خلق أهداف تطوير وتأهيل موجهة لسد فجوات محددة فى قطاعات صناعية وخدمية محددة وفى زمن محدد. فيتم توجيه أولويات المنظومة التعليمية بكافة مراحلها إلى تلبية احتياجات هذه الاستراتيجية.

ويتطلب ذلك توثيق المجالات والوظائف التى يحتاجها السوق وكذلك الإمكانيات الحقيقية للطلاب الملحقين حاليا بالمنظومة. وبالتالى يمكن تصميم أنسب مسارات تأهيل تساعد الخريجين فى التأهل لوظائف حقيقية ودخول مجالات تناسب إمكانياتهم وتساهم فى استكمال مراحل نموهم. فمنها الذى سيحتاج سنة لتأهيله ومنها من سيحتاج ثلاثة أعوام لتأهيله حسب موقعه فى المرحلة العمرية، فالموجه هو ملاءمته لنوع الوظائف والأدوار المطلوبة وإمكانياته الفعلية. قد لا يكون هذا الحل الأقل كلفة، ولكن هذه المرحلة تعتبر مرحلة انقاذ وطنى وبالتالى تحتاج لحلول ذات أهداف إنتاجية محددة لها عوائد مدروسة تساهم مباشرة فى الاقتصاد الوطنى. (وبالطبع لم ننس إشكالية تأهيل المدرسين اللازمين لهذه المرحلة، فهم جزء من هذه الخطة).

2. أما المسار الطويل للاستراتيجية: فيجب أن يصمم على سياسة لها قدر عالٍ من الشفافية والمشاركة لجميع الفئات المستفيدة من والمشتركة فى العملية التعليمية مثل قطاعات الأعمال والخدمات، والمجتمع المدنى، والآباء، ومؤسسات التعليم العامة والخاصة، والطلاب بجميع أعمارهم. فالهدف من هذا المسار يتمثل فى بناء منظومة تعليم تكون جزءا لا يتجزأ من منظومة أوسع لإدارة موارد الوطن البشرية إلى جانب موارده الإنتاجية، وهذا هدف ليس فى مقدور طرف واحد تنفيذه، حتى ولو كان الحكومة!. ويبدأ العمل على هذ المسار بالتوازى مع المسار الأول فلا يوجد تعارض، فقط أهداف مرحلية مختلفة. وتعتمد استراتيجية هذا المسار على الجوانب الأساسية التالية:

مصدر الخبر : الشروق

اخبار متعلقة

اضف تعليق