المحتوى الرئيسى

عن الوطن ومكان المعاش وأضدادهما

عن الوطن ومكان المعاش وأضدادهما 12/24 14:40

هل يمثل الابتعاد عن الوطن إعلان إذعان للاستبداد الذي يسطو على مقدراته ويستبيح حقوق وحريات المواطن؟ وهل تصح، أخلاقيا وإنسانيا، المرادفة بين فعل الابتعاد وبين أن يلصق بالمواطن المبتعد جرم التنكر للطلب الشعبي على الديمقراطية الذي بدأت به ثورات وانتفاضات الشعوب العربية؟ إجابتي على السؤالين هي بلا قاطعة.

من جهة، أجبرت متواليات الاستبداد والإرهاب والتطرف والفساد أعدادا متزايدة من المواطنين على طلب الارتحال إلى حيث شيء من الحماية للحق في الحياة وشيء من الأمان لأطفال ونساء ومتقدمي عمر ورجال أدمت بعضهم الحروب الأهلية وجرائم العنف اليومي ضد المدنيين، وأرهقت بعضهم الآخر المظالم وانتهاكات حقوق الإنسان بتنوعاتها المتصلة بمبادئ المواطنة وبالحريات العامة والمدنية وبالحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

صار ارتحال العرب هو حقيقة وجودهم الكبرى، وهو في جميع الأحوال ارتحال قسري لا يحضر به الكثير من المضامين الإرادية للفعل البشري.

لم تكن إرادة حرة تلك التي دفعت ملايين السوريين إلى طلب اللجوء في الجوار الإقليمي وإلى طرق أبواب الأراضي الأوروبية، بل كان الإلغاء الشامل لإرادتهم الحرة إزاء ديكتاتور يوسعهم قتلا وتعذيبا وقمعا وفي معية حركات معارضة مسلحة لا تتورع لا عن ارتكاب جرائم التهجير ولا عن ممارسة العنف في اتجاهات كثيرة. ولم يكن في الخروج الجماعي خلال الأشهر الماضية ما يبرر توصيفه كإعلان إذعان للاستبداد وتنكر للمطلبية الديمقراطية، بل حمل في الجوهر تعبيرا إنسانيا مؤلما عن انعدام شروط حماية الحق في الحياة داخل ما كان يوما دولة وعن بحث "المضطر" المكبل زمنيا ومكانيا عن سبل للنجاة وإن جاءت على ظهر مراكب الهجرة غير الشرعية وعانقت الموت عضويا. لم ينقلب السوريون الذين طلبوا التخلص من الاستبداد وغل يد الأدوات القمعية عن انتهاك حقوقهم وتمنوا عقدا اجتماعيا جديدا محدداته المواطن الحر والمجتمع غير المراقب والدولة العادلة على التغيير الديمقراطي الذي تحملوا سعيا إليه كلفة باهظة، بل انقلبوا على خطر الإفناء الجماعي وضياع الشعب كمكون وحيد متبقي للوطن بعد أن انهارت الدولة وتكالبت على إقليمها معاول التفتيت.

وما يسجل بشأن الارتحال القسري للسوريين دون إذعان للاستبداد أو تنكر للمطلبية الديمقراطية، يقبل التوظيف لقراءة واقع تواصل ارتحال العراقيين الذين تلتحق اليوم موجات بحثهم عن الملاذات الآمنة بالموجات السورية الأعتى. ويمكن أيضا استخدامه لمقاربة واقع الأعداد غير القليلة للمواطنين الليبيين والسودانيين المرتحلين الذين إما ضاقوا من حروب الكل ضد الكل (ليبيا) أو من العنف الحكومي ضد الأقاليم المهمشة والمضطهدة (الحكم السلطوي في السودان الذي لم تتواقف عملياته العسكرية ضد السكان في دارفور وجبال النوبة وجنوب كردفان)، ويلقي بهم الارتحال على ظهر مراكب الهجرة غير الشرعية أو يدفع ببعض السودانيين بينهم إلى جنون مسارات برية تنتهي في إسرائيل.

بل أن مقارنة بين الارتحال القسري للسوريين، متبوعين عربيا بالعراقيين والليبيين والسودانيين، وبين ارتحال المصريين خلال العامين الماضيين لن تأتي مجافية للحقيقة أو متمردة على مقتضيات النظر الموضوعي.

مصدر الخبر : هافنجتون

اخبار متعلقة

اضف تعليق