المحتوى الرئيسى

وليد فكري يكتب لكم دينكم ولي دين (3)

وليد فكري يكتب: لكم دينكم ولي دين (3) 12/25 10:09

“إدعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين”

تأمل هذه الآية التي تعتبر بمثابة إرشاد وافي لمن يرغب في توجيه النُصح، الدعوة، المجادلة.

تمتليء وسائط الحوار والخطاب الديني -مرئية ومسموعة- بالكلام عن السُنَن المهجورة والعبادات المنسية.. إلخ.. ماذا عن هذا الأمر الإلهي المباشر؟ في رأيي ومن خلال مشاهداتي فإنه أكثر الأوامر الإلهية تعرضا للهجر والتجاهُل والتناسي، ويحتل الأمر الإلهي “اقرأ” المرتبة الثانية بعده هجرا ونسيانا!

تعالوا نتأمل الآية.. تبدأ بالأمر بالدعوة إلى سبيل الله بماذا؟ بالحكمة.. ما الحكمة؟ حسب قول المفسرين فإنها ما نزل على الرسول -صلى الله عليه وسلم- من قرآن وما أجرى على لسانه من الأقوال -باعتبار أنه “لا ينطق عن الهوى”- وحسب فهمي الشخصي، فإنها إضافة إلى ذلك كل ما يصنفه العقل المتزن المُجَرِب العالم بـ”القول الحكيم”، أي القول الذي يستحق أن يبذل المرء جهدا ووقتا لتأمله وفهمه.. ما مدى تطبيق هذا المعيار “الحكمة” على الخطاب “المتدين”؟ للأسف فإن هامش تطبيقه يكاد لا يوجد من الأساس، فالخطاب الدعوي حاليا هو إما مزدحم بالقصص الملفقة (مثل قصة الأبناء الثلاثة الذين جاءوا بقاتل أبيهم للخليفة عمر بن الخطاب وطلبوا القصاص، فطلب القاتل فرصة لسداد ديونه قبل القتل فضمنه أبو ذر الغفاري..إلخ.. أو قصة “يا ويح ثعلبة”.. أو الأحاديث الملفقة مثل الحديث الطويل بين كل من جبريل والرسول محمد -عليها السلام- حول جهنم وأهوالها وقطاعاتها.. إلخ)

أو القصص المبتذلة (مثال: رجل غير مسلم صدمه سلوك راقي من رجل مسلم فنطق الشهادتين بتأثر.. ولا أعرف كيف يوثق بإيمان رجل دخل في دين نتيجة مجرد تأثر عاطفي لحظي!)

أو الأمثلة الرخيصة المنحطة (الحلوى المغطاء والحلوى المكشوفة والذباب)

الأمثلة التي “لا أجد وصفا أقسى من منحطة “كحديث شيخ سلفي في فيديو شهير عن الحور العين صارخا “شعر صدر نحر قد خد فخود نهود سيقان! ومن واضعة فمها بفمك ومن واضعة صدرها بصدرك.. ويدفعنك على ظهرك فتسقط هكذا”، كأنه يشرح فيلما جنسيا فاحشيا لا وصفا للجنة حيث المأوى الأخير للأنبياء والصديقين والشهداء والمتقين!

وكأن القرآن، والمقبول عقلا من الأحاديث النبوية، وسير الصحابة والتابعين، وقصص الصالحين قبل وبعد البعثة المحمدية، كل هذا لا يكفي لاستحضار أمثلة محترمة ينطبق عليها وصف الحكمة.

وما الموعظة الحسنة؟ إنها ببساطة شديدة الوعظ باستخدام الاستشهاد بالمواقف والعِبَر، لكن بلطف ولين وتيسير وليس بغلظة وزجر وتعسير وتنفير.. الأمر إذن لا يتضمن تبكيتا وتوبيخا حادا يصل لدرجة الإهانة، وزعيقا وصراخا من فوق المنابر وعبر الفضائيات! ولا أن يستخدم بعض “الشيوخ” أسلوبا يليق بأفلام الرعب وهو يسألني -عبر شريطه التسجيلي الشهير- لماذا لا أصلي!

“وجادلهم بالتي هي أحسن”، لاحظ هنا أن الله تعالى لم يقل “بالحُسنى” بل “بالتي هي أحسن” أي أن على المخاطَب بالأمر أن يبذل أقصى جهده في المجادلة بأفضل وأرقى ما يستطيع، سواء من حيث أسلوب المجادلة من عرض عقلاني منطقي وموضوعي للحجج والبيّنات من جانبه وتفنيد لما يأتي به الطرف الآخر في المقابل، وكذلك من حيث سلوك المُجادِل من ضبط للنفس وتحكُم في الانفعالات وكبح لجماح الرغبات الداخلية في جرح أو إحراج أو إيذاء أو إهانة الطرف الآخر حال التعرض للاستفزاز من قِبَله.. الأمر لا يتضمن إذن توجيه السباب لغير المسلمين على طريقة وجدي غنيم (اعتقد أن القاريء يعرف أي فيديو أقصد!) أو تهديد المختلفين بالويل والثبور وعظائم الأمور، أو أن أبدأ يومي بشاب يفترض أنه متدين يعلن أنه يرى ذبح الملحدين باعتبار أنهم مرتدين!

وبالمناسبة، فإن من شروط أن تكون المجادلة “بالتي هي أحسن” ألًا تتضمن تهديدا من طرف لآخر، فليس من المعقول أن تقول لإنسان “سأجادلك فإن لم تقنعني ولم تقتنع فإنني سأذبحك!”.. فيم المجادلة إذن؟ لإرضاء الضمير؟ أي ضمير هذا الذي يرضى عن وجود احتمالية قيام صاحبه بذبح الآخر –أو استباحة إيذائه أو انتهاك حقوقه- إن لم يصل نقاشهما لنتيجة؟!

المجادلة إذن عليها أن تتخذ سبيل الإقناع أو الاقتناع أو التقبُل المتبادَل والتعايش السلمي.

وأخيرا “إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين”.. هذا التنبيه الإلهي بالذات هو مما يغفله كثير من هؤلاء القوم -دعاة التديُن والالتزام- عندما يوجهون نصحا أو إرشادا أو ما يعتبرونه هم “أمرا بمعروف ونهيا عن منكر”، فترى بعضهم ينصحونك ولسان حالهم -قولا ولهجة وحتى من ناحية تعبيرات الوجه -يقول: يا لك من بائس ضال مُنحَل بعيد عن دينك جاهل به؟! الحمد لله أننا لسنا مثلك.. كيف لا تقتنع بقولنا ونحن كما نبدو أكثر منك علمًا وتديُنًا؟”.

مثل هؤلاء أصفهم بأنهم “الفِريسيون الجُدُد”.. و”الفريسيون” هم فئة من بني إسرائيل كانت تُظهِر التشدد في اليهودية والازدراء لمن سواها باعتبار أنهم ضالون منحلون، حتى إن بعضهم كان يمشي مغمضا في الطريق كيلا تقع عيناه على امرأة بالمصادفة، فكانوا يرتطمون بالجدران وتسيل دماؤهم على وجوههم وهم سعداء أنهم لاقوا ذلك في سبيل إثبات أنهم أفضل من غيرهم.. بالمناسبة، هذه الفئة هي التي كانت الأكثر شراسة في مواجهة دعوة السيد المسيح عليه الصلاة والسلام.

وعودة للفئة “إياها” من “المتدينين”، فإن قول الله إنه أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين يمر عليهم مر الكرام، بينما هو أمر صريح لمن يحاول أن يوجه خطابا دينيا: لا تزكِ نفسك على الله.. فهو أعلم بأيكما -أنت ومن تجادل- أقرب لسبيله!” لكن للأسف هذه الرسالة تتوقف عند حاجز من الغرور.. والغرور هنا لا يتطلب أن يقول المرء “أنا أعلم.. أنا أكثر تدينا.. أنا.. أنا..”، بل ربما يأتي عن رجل يقول “ما أنا إلإ عبد فقير معترف بالعجز والتقصير.. أنا لا شيء”، بينما هو ينظر لمن هم مختلفون عنه نظرة فوقية، وينتظر منهم أن يسمعوا لكلامه في الدين فيطيعون بغير نقاش على اعتبار أنه -بطبيعة الحال- يبدو عليه التدين أكثر مما يبدو عليهم.. هذا ما يُسَمَى بـ”الورع البارد”!

تعالوا نجري تجربة بسيطة، سنقف عند أحد المساجد التي يكثر فيها “الملتحون/المتدينون/الملتزمون/الشيخ..إلخ” -أيا كان الوصف- ونفتعل جدالا دينيا بين رجل ملتحٍ يرتدي الجلباب أو الثوب القصير ويتحدث بكلام مطعم بالفصحى وبـ قال الله وقال الرسول، ورجل غير ملتحٍ عادي الزي يتحدث بلغة بسيطة بالعقل والمنطق.. لأيهما سيميل “الحضور” من الفئة المستهدفة بالتجربة؟ اعتقد أن الإجابة معروفة! لماذا؟ لأنه “يشبههم” أي أن تزكيتهم له هي تزكية من كل منهم لنفسه على من يختلفون عنه.. وبالتالي فإنه افتراض أن “كل من هو مثلي خير من كل من هو ليس مثلي”.. نحن نتحدث عن المادة الخام للبارانويا، وهي للأسف منتشرة بين من يرون أنفسهم يمثلون التديُن والالتزام، خاصة لو تزامن ذلك مع تعرضهم لبعض الاضطهاد الرسمي أو المجتمعي لتكتمل صورة “الغرباء القابضون على الجمر” في تفكيرهم الجمعي.

مع أن الآية مباشرة وفهمها لا يتطلب كثير عناء.. “إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين”.. الأمر الإلهي واضح وصريح: لا تبالغ في الثقة  بنفسك لحد الغرور، افترض دائما أن لديك هامشا من الخطأ وأن لمن يجادلك هامشا من الصواب، راجع نفسك كل حين.. أحسن الظن بنفسك، لكن ليس إلى حد افتراض الكمال وبلوغ الحقيقة المطلقة.. الله وحده يملك الحقيقة المطلقة”

لو طبقنا هذا المنطق الإلهي لاستطعنا ببساطة أن نحرر “الحق” من شخص قائله وصفاته وملبسه وهيئته وأن يتحقق فينا الدعاء أن “نرى الحق حقا”..هكذا بكل بساطة.. أن نرى الحق حقا، فقط لأنه حق وليس لأن قائله يعجبنا أو أننا نزكيه على خصمه لسبب أو لآخر.. أو كما يقول أهل الحكمة والعقل “الحق لا يُعرَف بالرجال”.. وما دمنا لن نعرف الحق بحكم شخص قائله، فإننا بالتالي سنجعل “الكلام” هو موضوع الجدل بغض النظر عن مصدره، فلا نزكي أو ندين أحدا أو نفترض مسبقا أنه “ضل عن سبيله” أو أنه من “المهتدين” فقط لأنه هو.

بقيت مسألة ملفتة للنظر في الآية الكريمة.. كلمة “السبيل”.

“إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله”

لماذا لم يقل الله تعالى “إدعُ إلى ربك؟” ولماذا لم يقل “إن ربك هو أعلم بمن ضل عنه”؟ لماذا السبيل؟

مصدر الخبر : 18زائد

اخبار متعلقة

اضف تعليق