المحتوى الرئيسى

ندى القصبي تكتب مع وقف التنفيذ

ندى القصبي تكتب: مع وقف التنفيذ! 12/25 10:32

“البتاعة دي تحفة جدا، أنا وقفت إمبارح طول الليل عند واحدة زيها في محطة الرمل. كنت بموت من البرد ودفتني”.

سمع هذا التعليق في أحد الليالي الباردة، وأمام أحد المتاجر الكبرى، حيث وقف طفلان من الشارع أمام الجزء الخلفي من المكيف والذي يخرج منه اندفاع قوي من الهواء الساخن، بابتسامة خافتة مرتجفة.

في 2013 وبدايات الاحتجاجات ضد مرسي، كنت أقف بجوار طفل من الشارع، حين أخبرني أنه يكره المظاهرات لأنه اضطر أن يدخل وسط الجموع بالأمس باحثَا عن أخيه فأصابته ضربة من عصا العسكري على يديه، أعاقته عن العمل قليلا. وحين سألته هل تحب مرسي إذًا؟ نظر إلي بفتور رافعا كتفيه، وقال: “لأ، أصله ماعمليش حاجة”! في هذه اللحظة عرفت أن نظرة هذا الطفل ستسقط هذا الرجل عن كرسيه.

أطفال الشوارع، الذين وصل حجمهم للجيل الثالث كما صرخ أستاذي الجامعي بعجز أن الأمر استفحل، وفتيات الشوارع وضعن الجيل الثالث الذي نراه. الجيل الذي لم يعرف للبيوت طريقا.. الجيل الذي ولد من رحم الشارع. الذي وسم بكل الجرائم التي تناسب الالتصاق به. ورغم هذا التفشي في الظاهرة، إلا أن لا أحدا يحرك ساكنا، لا أحدا يريد أن يفعل شيئا للطفل الذي ينام في الشارع، ولا يبدو أن الحكومة تجد غضاضةً في الأمر، يوجد لديها عدة أطفال في المعتقل يستمتعون بكل رفاهية عيش حياة الشارع دون دفع مليم واحد.

كنت شاهدة على تفتت علاقة ما في دائرة معارفي، وبصفتي طرف ثالث. كنت أستطيع وضع النقط على الحروف ومعرفة أسباب عدم التقبل الحاصل بين الطرفين، لكن أحد الأطراف رفض الاعتراف بأن هناك فجوة في الطباع بينهما هي ما تسببت في القطيعة، وأصّر بما لا يدع مجالا للشك أن هناك من وشى به إلى صديقه مفسدا بذلك علاقتهم القوية. تسمى هذه الحالة في علم النفس بالإنكار.. لدينا نوع من الرعب أحيانا من أن نتقبل الحقائق كما هي، فيكون الحل الأسهل هو انكارها. أحيانا يتبع هذا الإنكار، إسقاطا نحو شخص آخر.. إلصاق التهمة بشيء أستطيع تقبل وجوده، هناك من وشى بي لصديقي، أنا لم أفعل شيئا خاطئا. يبدو هذا أكثر تقبلا. أثناء عملي في الفصل أحيانًا يشير الطفل المخطئ بثقة إلى أقرب زميل له، ملفقا له التهمة التي ارتكبها. واصفا بدقة ما حدث. حتى إن المعتَدى عليه في بعض الأحيان ينظر إلي بحيرة ناسيا أيهما اعتدى عليه.. ولولا حسن حظي وسوء حظه – المعتدي- بأن أكون شاهدة على الحدث، فإن نظرته الواثقة والمفجوعة بالظلم قد تربكني وتجعلني أصدق براءته.. هذا الإسقاط قد يبدو مقبولا إلى حد ما من طفل لم يبدأ تقويمه النفسي بعد، لكنه لا يبدو مقبولا من شخص يحمل بين يديه سلطة وقوة تسمح له بتوسيع دائرة الإسقاط وكتابتها كتهمة تسمح له باستخدام أصفاده واعتقالاته اللامؤاخدة “مؤقتة”.

بعد ثورة يناير، لم يبد أن هناك من يتقبل وجود أطفال الشارع أو أبناء العشوائيات في أي حدث سياسي، لأنه لا يمكن أن يكون وجودهم مبنيا على رأي سياسي لا سمح الله.. لا أحد يريد أن يصدق أن الضغط يولد الانفجار.. أن قطرة الماء قد فلقت الحجر، وأن لا – طرف ثالث- أتى ليلا وفلق الحجر بفأسه، إنما فلقته قطرة الماء بعد صبرٍ دام ما يقارب الستين عاما، بعد أن تفتحت العوالم وأصبح الكذب مثيرا للسخرية وغير كافٍ لسد رمق النهم إلى الإنسانية والسبل المتوسطة للعيش برقة.

مصدر الخبر : 18زائد

اخبار متعلقة

اضف تعليق