المحتوى الرئيسى

الطريق إلى رام الله 15

الطريق إلى رام الله «15» 12/25 14:55

لم يكن منطقيًا أن نكون فى الضفة الغربية وألا نزور واحدًا من أصل 25 مخيمًا للاجئين الفلسطينيين الذين يعيشون "يا للغرابة لاجئون فى وطنهم".

هكذا أخذنا طريقنا إلى مخيم "عايدة" الذى يقع فى المنطقة الغربية بين مدينة بيت لحم الساحرة وبلدة بيت جالا الجبلية، يعيش فى الضفة نحو 900 ألف لاجئ من إجمالى سكان يصل 2.7 مليون، نحن نتحدث عن أن ثلث سكان الضفة الغربية من اللاجئين إذن.

نشأت معظم المخيمات فى الضفة، عقب حرب 1948 مباشرة لاستيعاب أكثر من 700 ألف فلسطينيين وجدوا أنفسهم فجأة مطرودين ومشردين من بيوتهم وقراهم، حتى يسكنها الغزاة المحتلون.

أقيمت المخيمات على عجل حينها، فكانت من خيم تقليدية فعلًا، ومع بدء وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" العمل فعليًا على الأرض عام 1950، تنفيذا لقرار للأمم المتحدة صدر قبل هذا التاريخ بعامين، تولت الوكالة مسؤولية الإشراف على المخيمات، وتقديم الخدمات لساكنيها، وهو أمر استتبع بعد ذلك أن تتحول المخيمات إلى تجمعات سكنية خرسانية تقليدية، لكنها مع ذلك ظلت محتفظة باسمها التقليدي "مخيمات"، ربما لأن الاسم اكتسب دلالاته وارتبط ذهنيًا باللاجئين، وربما لأن الأحوال المعيشية لم تتحسن كثيرا طول هذه السنوات، فبدا أن اللفظ لايزال دقيقا فى تعبيره عن الأحوال.

الأمر يشبه مصطلح "المساكن الشعبية" الذى ظهر خلال الحقبة الناصرية بمصر، كان الغرض حينها هو إنشاء شقق منخفضة التكاليف على طراز أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتى، لاستيعاب الزيادات السكانية المطردة، وتم بناء وحدات سكانية خرسانية كئيبة التصميم والتهوية على عجل، ورغم محاولات الدولة بعد ذلك تطوير تصميمات وطرق بناء هذه الوحدات حتى تبدو أكثر إنسانية ورحابة، ظل المصطلح ملتصقا بالفكرة، ويعبر عنها بطريقة توحى بكونها مبانى كئيبة تأوى غير القادرين أو متوسطى الدخل، وما يستتبعه ذلك من ظهور بيئة اجتماعية فقيرة.

فى كل الأحوال فإن المخيمات الفلسطينية، وخصوصا مخيم عايدة، لا يبدو أكثر من حى من المساكين الشعبية البائسة، لا توجد خيم ها هنا إذن، لكن الفقر وسوء التخطيط وقلة فرص العمل وانحدار الخدمات هم العنوان الرئيسى، خصوصا وأن الجدار العازل الملعون يحيط بالمخيم ويلتف حوله التفافا مستحكما، تكاد تشعر معه وكأن الجدار قد استحال فجأة إلى ثعبان ضخم من فصيلة "أناكوندا" يحيط بعنق الحياة هنا ويعتصرها عصرًا.

استوحى مخيم عايدة اسمه من صاحبة الأرض التى تم استئجارها لبناء المخيم عليها، وهى سيدة فلسطينية كانت تمتلك مقهى شهيرا يحمل اسمها قبل وقوع حرب 1948، ولما تحولت أرض المقهى وما حولها إلى مخيم، احتفظ سكانه باسم "عايدة" فى دلالة رمزية توحى بأن الأرض ستعود لصاحبتها ذات يوم، الرمزية هنا فى فلسطين أسلوب حياة، يستخدمها أصحاب الأرض فى محاولة للتغلب على تاريخ موجع وحاضر قاس ومستقبل لا يبدو أنه أفضل حالًا.

لهذا يبدو منطقيًا أن يستقبلنا على أحد مداخل المخيم نموذجًا ضخمًا لمفتاح بيت عتيق عالق بين السماء والأرض، وقد كتبت إلى جواره فى اللوحة التذكارية أن هذا هو أكبر مفتاح فى العالم، فى دلالة رمزية ومباشرة على حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى بيوتهم وقراهم التى نزعها الاحتلال قسرًا منهم، المفتاح هنا إذن هو رمز لعشرات الآلاف من مفاتيح بيوت تورثها أجيال فلسطينية متعاقبة، على أمل العودة لمنازل قد تمت تسويتها بالأرض فى الأغلب، المفاتيح هذه هى أيضا واحدة من أساليب المقاومة الفلسطينية التى يستخدمونها لضيق الحال واليد ولإبقاء جذوة القضية مشتعلة ومتقدة جيل بعد جيل.

فى كل شوارع المخيم الضيقة التى يلعب فيها الأطفال أو يمر بها السائرون، يبدو فيها شيئا منقوصا من فعل الحياة، ثمة سحابة كئيبة تظلل المكان حتى ولو كنا فى ذروة أيام الصيف، هنا انكسار أحلام أربعة أجيال على الأقل منذ احتلال فلسطين فى 1948.

مصدر الخبر : مبتدا

اخبار متعلقة

اضف تعليق