المحتوى الرئيسى

زهرة غُمَاني تكتب مفهوم الحرية وإشكالية الوعي الفردي ساسة بوست

زهرة غُمَاني تكتب: مفهوم الحرية.. وإشكالية الوعي الفردي | ساسة بوست 12/25 10:22

منذ 12 دقيقة، 25 ديسمبر,2015

غالبا ما ينظر لمفهوم التحرر الفكري من زاوية ضيقة جدًّا و قد يشوبها كثير من المخاوف الدفينة من التغيير، فقدان الهوية والتنكر للموروث وقطع الصلة بالأصول، وفي الكثير من الأحيان يتم الخلط بينه وبين مفهوم الانحلال الأخلاقي. وهذا لا يقتصر على زمان أو مكان معينين بل لطالما كانت هذه إشكالية أرقت العديد من الباحثين والكتاب والناشطين عبر العصور، ومما لاشك فيه أنها أيضًا من تمظهرات الأزمة الثقافية والاجتماعية في حياة الإنسان المعاصر.

اختلفت حاجات الجنس البشري وتفاوتت أولوياتها باختلاف الحقب الزمنية، ففي البداية كانت غريزة البقاء والتكاثر الدافع الأساسي لدى الفرد للانتماء لمجموعات وتبني لجميع قيمها ومبادئها السائدة، حين تحققت للإنسان تلك الحاجة الفطرية للتعمير وضمان الاستمرارية، كانت الاستقلالية الفكرية والتحرر من الوعي الجمعي الخطوة التالية في سلم التطور، غير أن ذلك طبعًا لم يكن بالأمر الهين، ما الحروب والثورات إلا شكل من أشكال الاستنصار لفكر معين بغض النظر عن مدى فعاليته في خدمة مصلحة الواحد أو الكل.

هل كل ما يجهله الإنسان يخافه؟!

قد نفهم لم التحرر الفكري يعد هاجسًا للأنظمة السياسية والاقتصادية والمجموعات المتطرفة فبقاء الأفراد في دائرة الفكر الواحد والتحرك الموحد يخدم مصلحتها، خاصة تلك الفاشية منها، حيث يسهل التوجيه الآلي تحقيقًا للسيطرة العقلية الشاملة.

ولكن ما لا نفهم، هو لمَ قد يتنصل الشخص بغير وعي منه أحيانًا وأحيانا أخرى بإدراك كامل من مسؤوليته في التفكير والتحليل ويتخلى عن إرادته الحرة في الاستجابة العقلانية لما يوجه له؟

كيف لشابة أو شاب مقبل على عدد لا متناهٍ من الاحتمالات في التفرد والتميز أن يرفض الحياة، ويصبح أسيرًا لآلية التدمير الذاتي ويضع مكان عقله حجرًا، ويسلم إرادته الحرة للتعصب ضد الإنسانية، لنشهد بدل قادة فاعلين في مجتمعاتهم، أتباعًا قابلين للاشتعال!

مما لا شك فيه أن عوامل عدة تتداخل في هذا الأمر، منها ما هو اقتصادي بحت حيث أثبتت العديد من التقارير والأبحاث التي نسمع بها من وقت لآخر أن الإغراء المادي يدفع بالكثير من الشباب للالتحاق بتنظيمات متطرفة سواء آمنوا أم لم يؤمنوا بقضيتها وهنا نجد أنفسنا أمام أزمة أخرى وهي أزمة السلوك والقيم. وعلى الصعيد الشخصي أرى أن الإحباط العام والفراغ الروحي وانعدام الرؤية المستقبلية ووضوحها، من أهم مسببات انعدام التوازن الذي يؤدي إلى هذا النوع من التدمير.

يرى المحلل النفسي الباحث والفيلسوف الألماني إيريك فروم Eric Fromm- في كتابه “الهروب من الحرية The Escape From Freedom -” أن النقطة الحاسمة في حياة الشخص هي حين يكتشف أنه الوحيد المسؤول عن ذاته ومصيره، فيتكون لديه الخوف من الحرية. وبالنسبة له هناك ثلاث آليات للهروب من الحرية:

أولا: الاستبدادية: وهي الميل إلى التنازل عن استقلالية الذات الفردية وصهرها عوضًا ذلك مع شخص أو شيء خارجي، أي السعي إلى استمداد القوة التي تفتقدها الذات من الخارج

ويظهر ذلك في التعطش للهيمنة والسيطرة والسعي لها من خلال التحكم في الآخرين والحد من حرياتهم.

ثانيا: التدمير: الإحساس الذي لا يطاق بالضعف الفردي والعزلة مقارنة بالعالم الخارجي، فيتولد لدى الشخص الميول إلى تدمير ذلك العالم في محاولة يائسة لإنقاذ الذات من أن تسحق بذلك الشعور الذي لا يحتمل بالطاقة الغامرة للأشياء خارج الذات، العدوانية والتعصب من أشكال هذا النمط. و أحيانًا تتمادى الذات إلى تدمير نفسها أيضًا وهي بنية نفسية خطيرة جدًّا يعرفها علماء النفس بـ»خاسر- خاسر» أي إذا كنت سأخسر على الآخر أن يخسر أيضًا.

ثالثا: الامتثالية الآلية: وفي هذه الحالة تتخلى الذات عن عبء ومسؤولية حريتها واستقلاليتها عن طريق انسحابها الكامل لدرجة يصبح العالم الخارجي أقل تهديدًا، فيتقمص الفرد الشخصية التي تقدمها له النماذج الثقافية والاجتماعية، فيصبح ما يتوقعه الآخرون منه، أي نسخة مماثلة لملايين النسخ المحيطة به، فيختفي إحساس الذات بالوحدة والضعف وفي مقابل ذلك يكون الثمن غاليًا حين يخسر الإنسان ذاته.

يقول إيريك فروم أن هذه الآليات التي يتبناها الفرد كطريقة للهروب من الحرية والاستقلالية الفكرية غالبًا ما تمارس بشكل غير واع، ويتم عقلنتها وتبريرها داخل فئات اجتماعية بأكملها. هذا ما يفسر كيف تتغذى التنظيمات المتطرفة على هذه الأنماط النفسية لدى الأفراد وتستطيع تجنيدهم لصالحها.

كتاب فروم هو نتاج لدراسات علمية نفسية واجتماعية قام بها لعدة سنوات وهو موجود أيضًا تحت اسم ” الخوف من الحرية”The Fear from Freedom –”.

إن تنازل الإنسان على حريته الفكرية كفيل بجعل حياته على المحك فيعيش على الاستمداد الدائم للطاقة من الأشياء، الأحداث، والآخرين ويربط سعادته أو تعاسته بالعالم الخارجي، وفي مجتمعات الإنسان المعاصرة نجد أعدادًا مهولة من الأشخاص يعيشون داخل علاقات شخصية مسيئة لهم وغير قادرين على استيعاب حجمها أو الخروج منها بسبب الخوف من مسؤولية الحرية وما يوازيها من اعتماد كلي على الذات وتقرير مصيرها. فما دام الفرد لا يفكر ويحلل بشكل حر ومستقل، سنتفاجأ دائمًا بوجود أشخاص مستعدين لتدمير أنفسهم والآخرين وسوف نشهد بين الفينة والأخرى على وقائع إنسانية مؤلمة مثل أحداث لبنان، اليمن، باريس وغيرها…

الحرية في رأيي ليست أن نفعل أو نقول ما نريد في الوقت الذي نشاء لأن رؤيتها كذلك ضرب من السذاجة فتحرر الفكر في أقوى تجلياته يكمن في تحمل الفرد مسؤولية ومصير نفسه، بأن يعي جيدًا بأنه الوحيد المشرف عن اعتقاداته وأحاسيسه وأفعاله، ومن ثم نوعية علاقاته وحياته ككل، فعوضًا عن أن يلقي باللوم على كل شيء ويقحم نفسه في حلقة لا تنتهي من التذمر، وجب أن يقرر قرارا حاسما في حق نفسه بتحمل مسؤولية كل ما قد يحصل له، فالتحرر الفكري والروحي معا رهين بمدى وعي الفرد بخبايا نفسه أولا ومراقبته لطريقة تفاعله مع محيطه وواقعه ثانيًا، فكل اعتقاد منا أننا نمارس حريتنا التي قد تؤذي فردًا آخر أو تحد من حريته هي ليست بحرية مسؤولة.

فالتوازن والاعتدال في كل شيء هو قانون كوني.

من أهم الخطوات الاستراتيجية نحو حرية واستقلالية فكرية وحياة ذات قيمة وفاعلية:

تقبل نفسك، تقبل بسرور واقعك الحالي، وأدرك أنك بصورة أو بأخرى ساهمت في تكونه، ابتعد عن انتقاد نفسك وتعذيبها وانظر إلى الصورة من زاوية أكبر وأشمل، والكلمة المفتاح هنا: التصالح مع الذات.

لا تتبنَّ نظرية المؤامرة، كثيرا ما نستسلم لفكرة أن كل شيء سيء يحدث معنا حتى وإن كان إحساسًا بتخطيط أو نية مبيته لتدميرنا، فيصبح كل من يحيط بنا عدوًّا لنا بينما العدو الحقيقي هو بداخلنا، مما يستهلك طاقاتنا ويقيد حريتنا وتصبح النفس أسيرة معتقداتها وهواجسها.

مصدر الخبر : ساسة بوست

اخبار متعلقة

اضف تعليق