المحتوى الرئيسى

عماد بهجت يكتب التنمية في مقابل الاستبداد – الجزء الأول

عماد بهجت يكتب: التنمية في مقابل الاستبداد – الجزء الأول 12/26 10:28

احترت كثيرا حول إمكانية حدوث نهضة أو تنمية اقتصادية في مصر في ظل حكم النظام الحالي، وظللت تائها لفترة بين ميلي الطبيعي للتسفيه والتقليل من قدرة الأنظمة الاستبدادية على إحداث أي تغيير إيجابي في حياة الشعوب (حتي وإن أسسوا دولا قوية فعادة ما لا يضيفوا لرخاء الشعوب ورفاهيتها الكثير)، وبين أمثلة تاريخية لا سبيل لإنكارها لمستبدين حققوا تنمية اقتصادية ونهضة جنت الشعوب ولو بعض ثمارها مثل لي كوان يو وبارك تشونج هي وبينوشيه وسوهارتو ومحمد بن راشد وحتي جمال عبد الناصر الأب الروحي لدولة يوليو ووريثتها الحالية.

ما ركنت إليه بعد تفكير ليس بالقليل هو أنه –تاريخيا- لا تعارضا جذريا بين الاستبداد السياسي وبين الإصلاح الاقتصادي من حيث المبدأ، المُختلف عليه فقط هو قابلية إستدامة هذا النمو تحت حكم استبدادي، وكذلك مدى إمكانية تحقيق تنمية حقيقية –أي توزيع عادل أو شبه عادل لنواتج النمو الاقتصادي- في حال ما استمر نظام الحكم الذي حقق النمو الاقتصادي على استبداده وعدم تحوله تدريجيا للديموقراطية.

ولكنني توصلت أيضا إلى أن إنسحاب إمكانية تحقيق النمو هذه على الشأن المصري ليس ضروريا، بل إن إحتمالاته –في رأيي- واهية للغاية ولا تتعدى الخمسة بالمائة، وذلك لعدة أسباب يمكن إدراجها كلها تحت ثلاث بنود أساسية، سأورد أحدهم في هذا المقال، والآخريّن في مقال تالي بإذن الله:

على مر التاريخ، دائما ما كانت الصراعات الداخلية والنزاعات الأهلية بداخل البلد الواحد هي أكثر العوامل تدميرا لفرص النهوض والرخاء، وأشدها استهلاكا لموارد البلاد البشرية والطبيعية وإنهاكا لها، وعلى مر التاريخ أيضا، دائما ما كان السبب الأول لإنهاك البلاد والعباد عن طريق الصراعات والإنقسامات الداخلية هو الصراع على السلطة بين فصيلين أو أكثر، ودائما ما كان السبب الذي يليه في الأهمية والتأثير هو ما تنفقه السلطة من وقت وجهد ومال على تأمين وجودها في السلطة من جواسيس أو عيون لها بداخل مختلف قطاعات المجتمع لإرسال الحملات لتأديب المارقين… إلخ، ولذا فقد ارتبطت لحظات التقدم وبناء الحضارة في حياة الأمم باستقرار الأمة تحت حكم ملك قوي استطاع فرض سيطرته على البلاد والعباد بغير منازع إلى الحد الذي ضمن حدا أدني من الاستقرار اللازم لبناء الحضارة بعد أن قضى العاهل المذكور على أي نزاعات جدية على الحكم تستلزم حربا داخلية منهكة.

وقد ظل العالم على هذا الوضع قرونا وقرونا، حتى ظهرت الديموقراطية بشكلها الأولي أواخر القرن الثامن عشر الميلادي وأخذت في التبلور حتى وصلت لشكلها الحالي على يد نخبة من أبرز ساسة ومفكري التاريخ، كفلت الديموقراطية مسارا بديلا لتحقيق الاستقرار اللازم للتقدم وبناء الحضارة، فبعد أن كان الرخاء لا يتحقق إلا في ظل ملك قوي مسيطر مستبد حقق الاستقرار وضمن تأبيد حكمه وتوريثه لنسله بالحديد والنار، ظهرت إمكانية تحقق الاستقرار عن طريق وضع قواعد صارمة لطلب السلطة ولنقلها من فصيل لآخر تحت حماية الدستور والمجتمع، فأصبح هناك –بداية من تلك اللحظة التاريخية- طريقان متوازيان لتحقيق الاستقرار الذي يؤدي لتحرير الموارد، وبالتالي لإمكانية تحقيق النهضة والنمو: إما الاستبداد السياسي التام الناجح في احتكار السلطة والقضاء على أي منافسة حقيقية، وإما تداول السلطة تداولا حرا تحت مظلة القوانين المنظمة لذلك، وهو ما وصل بنا إلى السؤال الذي كان نقطة بداية هذا المقال: تحقق النمو في ظل الاستبداد أم في ظل الديموقراطية وتداول السلطة؟

لكن في العقدين الأخيرين، ظهر عامل أضعف إمكانية تحقيق الاستقرار والنمو تحت حكم إستبدادي قمعي، ألا وهو ما يعرف ابتذالا باسم ثورة الإتصالات والمعلومات، وما بدأ بالقنوات الفضائية وكُلل بشبكة الإنترنت وانتشارها الواسع.. هذا التطور في وسائل الإتصالات وتوافر المعلومات أثر سلبا على قدرة الأنظمة الاستبدادية علي تحقيق الاستقرار، حيث إنه زاد من دوافع الشعوب للتمرد والثورة على القمع واحتكار السلطة عندما فتح عيونهم على العالم وأراهم أن هناك بدائل أخرى للاستبداد، غير الفوضي العارمة وحرب الجميع ضد الجميع، فقلص من قدرة الدولة على صياغة الرأي العام عن طريق احتكار التعليم والإعلام، وقضى جزئيا على قوتها الناعمة التي لطالما استخدمتها في وضع تعريفات للمباديء المجردة مثل الوطنية والاشتراكية لا تفيد إلا في تعضيد سلطتها وسيطرتها على الشعوب، كذلك ساعدت شبكات الإتصالات واسعة النطاق في نشر وتدوير أخبار الفساد وممارسات الدولة القمعية للحفاظ على سلطتها، فبعد أن كان الفرد لا يرى من ظلم وقمع الدولة إلا ما يقع عليه مباشرة أو في دائرته الشخصية الضيقة، أصبحت أخبار الانتهاكات –وحتى ضيقة النطاق منها- تجوب البلاد من أدناها لأقصاها في محض ساعات، ولعلنا جميعا نذكر كيف تحول خبرا مقتل مواطنيّن اثنين غير ذوي حيثية كالبوعزيزي وخالد سعيد إلى شرارة ثورتين في تونس ومصر على الترتيب.

لكن هل أثرت ثورة الإتصالات على دوافع الشعوب لرفض الاستبداد فقط؟ الإجابة لا، فتقنيات الاتصالات الحديثة أثرت أيضا –بالإيجاب- على قدرة الشعوب على صياغة رفضها للاستبداد في صور عملية، سواء كانت هذه الصور سلمية كالتظاهر أو عنيفة كالتمرد المسلح والعمليات الإرهابية، وذلك بأن ضاعفت من قدرات الأفراد على نشر أفكارهم بين جموع الناس، وعلى الحشد والدعوة وتنظيم مختلف أنواع الفعاليات.

مصدر الخبر : 18زائد

اخبار متعلقة

اضف تعليق