المحتوى الرئيسى

أمل رمسيس تكتب يوميات سائحة قاهرية في بر مصر (1)

أمل رمسيس تكتب: يوميات سائحة قاهرية في بر مصر (1) 12/26 10:28

اجتاحتني الرغبة التي تجتاح الملايين مثلي في الابتعاد قليلا عن مدينتنا الغالية، مدينة القاهرةى. ولأن دعاوى مثل ى“دعم البلدى” وى”دعم مصرى” قد استفزتني لدرجة شعرت معها بضرورة إثبات أنني قادرة كذلك على تقديم ى“الدعمى”، قررت أن دعم السياحة الداخلية بعد ما أصابها من شروخ جسيمة قد تكون فكرة جيدة، فمن ناحية أقوم بواجبي الوطني وفي نفس الوقت أبتعد قليلا عن هذه المدينة القاهرةى.

بعد تمحيص وتردد طويل فكرت أن زيارة لمدينة المنيا قد تكون أفضل بداية، فهي مدينة يمكن الوصول إليها بالقطار، وهي وسيلة المواصلات الأفضل لمن لا يمتلك سيارة مثليى. كذلك فأنا لم أنس أبداً مشهد كورنيش هذه المدينة منذ أن زرتها آخر مرة من حوالي خمسة عشر عاماًى. لم أنس هذا المشهد الساحر للنيل بلونه الأزرق وخلفه الخضرة على الضفة الأخرى وفي الخلفية جبل رماله ناعمة.ى

ولأنني من سكان وسط البلد، وقد حالفني الحظ أن أسكن بالقرب من شارع محمد محمود الذي يقع فيه مكتب لحجز قطارات السكك الحديدية، توجهت مباشرة إلى هناك لأحجز تذكرة قطار إلى المنياى. يا له من حظ أن ينعم الواحد منا بمثل تلك الخدماتى!

دخلت إلى المكتب وكان خالياً تماماً من أي زبائنى، فاستبشرت خيراً. وجدت ثلاثة موظفين يجلسون باسترخاء على مكاتبهم، وفور أن رأوني ظهرت على وجوههم ملامح السعادةى. يبدو أنهم كانوا ينتظرون أي شخص ليملأ وقت فراغهم. لكن فور أن عبرت عن رغبتي في حجز تذكرة في قطار الصعيد، تجهمت الوجوه وقال لي أحدهم بصوت يخالطه الاحباط: هنا مكتب حجز قطار الإسكندرية فقطى. مكاتب حجز قطارات الصعيد في محطة السكك الحديد.

لأول وهلة لم أصدق أن يكون هناك مكتب حجز مخصص فقط لخدمة المسافرين إلى الإسكندريةى.. عدت وسألت الموظف نفس السؤال ولكن بطريقة مغايره لعله لم يفهم ما أقصده من السؤال الأول ولكنني للأسف تلقيت نفس الإجابة.

فجأة اجتاحتني مشاعر الغيرة والحقد الطبقي على سكان منطقة وسط البلد ممن قد يريدون القيام برحلة إلى الإسكندرية. يا لها من رفاهية، ففي خدمتهم مكتب كامل بثلاثة موظفين خال من الزبائن ومفتوح على مدار اليوم! ويا لها من رفاهية أن تقبض مرتبا لأنك تعمل موظفا في مكتب شبه خال من الزبائنى.. إنها فعلا دولة الرفاهياتى!

لا تقلق عزيزي القاريء لم تستمر مشاعر الغيرة والحقد إلا دقائق معدودة فأنا شخصية وطنية ولدي عزيمة واصرار على التعرف على بلدي الحبيب ولن تتكسر عزيمتي على أول صخرة أصادفهاى. بالفعل اتخذت قرار التوجه إلى محطة السكك الحديدية، رغم أن الساعة كانت قد شارفت الثالثة ظهرا وزحمة السير على أشدها، لكن لأنني عادة أرى النصف الممتلأ من الكوب، بدأت أشجع نفسي وأقول: على الأقل فأنا من سكان وسط البلد والطريق إلى السكة الحديد ليس طويلا. كيف كنت سأشعر إذا كان علي أن أقطع هذه الرحلة من مدينة نصر أو من حلوان؟ الوضع ليس سيئا جدا، فلا ضرورة للدخول إلى المحطة لأن مكتب الحجز يقع على يسارها وعلى ما أتذكر فهو ليس مزدحما جدا.

وصلت الي المحطة وتوجهت إلى شباك التذاكر. كان الموظفون هنا أكثر تجهما من موظفي مكتب محمد محمود. ولكن عندما وصلت لواحدة من الموظفات بعد أن تخطيت طابورا قصيرا وسألتها عن ححز قطارات الصعيد، ظهر الارتياح الشديد على وجهها وبابتسامة رقيقة قالت: هنا مكتب حجز الوجه البحري. مكاتب حجز قطارات الصعيد في رصيف ىىى.

وما أدراك عزيزي القاريء ما هو رصيف ىى، ما أدراك عزيزي القاريء كيف هي رحلة الوصول إلى رصيف ىىى. سوف أترك لخيالك العنان لتتصور الطريق إلى هناك الساعة الثالثة ظهرا.

بينما كنت أحاول الدفع بجسمي بين الجموع لأشق لنفسي طريقا إلى رصيف ىى، لم يتوقف ذهني عن محاولة الإجابة على سؤال واجد فقطى: ما الفرق بين ركاب الإسكندرية وركاب الصعيد؟ ما الفرق بين ركاب الإسكندرية وركاب الصعيد؟ ما الفرق بين ركاب الإسكندرية وركاب الصعيد؟

أخيرا وصلت إلى هدفي المنشود بعد طول عناء وبعد طوابير بالطول وبالعرضى.. أخيرا وقفت أمام موظف حجز تذاكر قطارات الصعيد

ى- أنا: عايزة تذكرة للمنيا يوم الثلاثاء (كان اليوم هو السبتى).

ى- الموظف: مفيش تذاكر، خلصت.

ى- أنا: مش مشكلة، يبقى يوم الأربعاء

ى- الموظف: ولا يوم الأربعاء

ى- أنا: طيب إمتى أول يوم ممكن ألاقي تذاكر؟

ى- رد الموظف لا مباليا: بعد عشر أيام.

ى- أنا وعلى وجهي علامات الدهشة والذهول (وقد اضطررت أن أكذب كذبة صغيرة): مش ممكن، أنا عندي شغل ضروري ولازم أروح المنيا في خلال يومين، يا ريت الله يخليك تشوفلي أي حل.

ى- الموظفى: اسألي في قطار الدرجة الأولى.. يمكن تلاقي أماكن.

ى- أنا: طيب ممكن تشوفلي في الكمبيوتر عندك إذا كان في أماكن في الدرجة الأولى.

ى- الموظف: أنا إيش عرفني يا ست، روحي عند بتوع الدرجة الأولى واسألي. الكمبيوتر بتاعي مش درجة أولى.. ماتعطلنيش معاكي. إنتي مش شايفة الطابور اللي وراكي؟

نظرت خلفي فوجدت وجوه الكثيرين تنظر إلي بتجهم شديد، تركت لهم مكاني وأنا أشعر نحوهم بالأسى لأن نفس المصير في انتظارهم.

لم أفقد الأمل في الحصول على تذكرة لمدينة المنيا.ى. بحثت عن مكتب حجز تذاكر الدرجة الأولى والذي يقع كذلك في رصيف ىى، لكن على بعد حوالي ىىى متر من مكتب حجز الدرجة الثانيةى. ولكن عندما وصلت إلى هناك تكرر المشهد بكل حذافيره، فلم تكن هناك تذاكر للمنيا قبل عشر أيامى.

رحلت أخيرا عن محطة السكة الحديد وأنا أجر أذيال الخيبة، رحلت وأنا عاجزة عن تصديق أنني لم أحصل على تذكرة واحدة لمدينة المنيا.

مصدر الخبر : 18زائد

اخبار متعلقة

اضف تعليق