المحتوى الرئيسى

ميكروفيزياء السلطة مصر نموذجاً

ميكروفيزياء السلطة.. مصر نموذجاً 12/26 17:06

قبل أن تضع يدك على فمك لتكتم ضحكك من العنوان.. أود الإشارة إلى أننى لا علاقة لى إلا بالجزء الثانى فقط منه أما صاحب الجزء الأول فهو الفيلسوف الفرنسى الشهير ميشيل فوكو(1926-1984) وهو عنوان كتاب له صدر عام 1977يتناول أسوأ موضوعات البشرية عبر التاريخ.. موضوع التركيب العضوى للسلطة وقدرتها على الفساد والإفساد والمراقبة والإخضاع.. ذهب فيه فوكو إلى أن السلطة (كائن لئيم) تستعمل كل الوسائل للحفاظ على ذاتها.. فهي تارة تستعمل الوهم أو الايدولوجيا وتارة تتوسل بالعنف ومرة تلجأ إلى القوة المباشرة ومرة أخرى تستعمل الخداع المحسوب كل ذلك من أجل من أجل إخضاع الإرادات المعارضة لغاياتها.. فالسلطة وتبعًا لاستراتيجيات قمعية معقدة تشتغل في المجتمعات الحديثة بكيفية تسمح بإخضاع القوى المعارضة.. فلا مجال للتوافق أو للاعتراف المتبادل بالقيم المشتركة للقوى المتصارعة وهى تحمل طاقة سلبية تنفي كل ما يعاديها ويعارضها ولا تجيز فعل سوى ما تسمح به.. فهي تحتوي على تقنيات قمعية وتستخدم كل أدوات المراقبة والملاحقة لتحقيق ذلك.

هناك موضوعات أخرى فى الكتاب تتحدث عن المعرفة والمراقبة والعقاب والأيدولوجيا والجسد.. وتلك الأمور التى اشتهر بها فوكو. ما يتعلق  بما فى الكتاب من مجريات أمورنا وأحوالنا هو ما ذهب إليه نفى فوكو من أن السلطة ليست (جوهرا مستقلا).. يعنى ليست شيئًا قائمًا بذاته منفصل عن باقى المجتمع والدولة.. فالسلطة كما يقول الكتاب هى استراتيجيات وعلاقات متشابكة ولها أبعاد متنوعة وكثيفة تتداخل بعضها فى بعض.

وهذا الجوهر فى حالتنا القريبة هو ذلك الرجل الذى مكث في السلطة ثلاثين عامًا(حسنى مبارك) فالكلام سينطق بمعانيه حين يطبق على مثل هذا الرجل ومثل نظامه الذى حكمنا طيلة هذه العقود..

السلطة لم تكن (حسنى مبارك) فقط ..إذ من الصعب الافتراض أن مبارك حكم مصر ثلاثين عامًا بالقبضة الحديدية وحدها وأنه وحده المسئول عن الفساد العارم الذى يمتد طولا وعرضًا ورأسًا وافقا فى كل المؤسسات (تقرير الجهاز المركزى للمحاسبات أورد 600 مليار جنيه فساد فى عام 2015) أين حسنى مبارك هنا؟.. وهذا الكلام بعد ثورة كان صوت محاربة الفساد هو أعلى أصواتها.. صحيح حدثت بعد تلك الثورة أشياء وأشياء ..لكن المعنى يشير إلى أن  حسنى مبارك لم يكن وحده فاسدًا وأن الثورة التى قامت عليه لم تحقق أحد أهم أهدافها.. وأن اختفى حسنى مبارك.                                                                                                             

ومن ساير حسنى مبارك فى الفساد طيلة ثلاثين عامًا لم يكن غافلا أو خائفا.. كان فاسدًا طافحًا بالفساد أيضًا كان النظام كله نسقا معقدًا متعدد الحلقات مارس الكثير من السياسيين ورجال المال والبنوك والإعلاميين والفنانين ورجال الأجهزة المعلنة وغير المعلنة.. مارسوا فيه أدوارًا أساسية بما فيهم السياسيون الذين كانوا يقومون بدور المعارضة التى كانت تمنحه وجهًا ديمقراطيًا من خلال الخطاب النقدى الذى لم يكن له أى تأثير عملي فى المجال السياسي ( راجع دور المعارضة فى البرلمان طوال فترة حكمه.. راجع أسبوع مصطفى بكرى ودستور عيسى .. وغيرهم).. حسنى مبارك كان رأسًا فقط لنظام مليء بـ(ميكروفيزياء الفساد) الذى تحميه (ميكروفيزياء السلطة).. وكانت محاكمته عملية تورية كبرى لغلق الملفات الكبرى فى الماضى والحاضر.. هذا كل ما حدث .

السردية الأليمة التى تلفعت بها أيامنا وليالينا الحزينة تقول إن ما حدث فى قصة (حسنى مبارك ) لم يكن إلا طورًا جديدًا من أطوار يوليو 1952م  وقد آن لهذا الطور أن يحل مكان مبارك .. كان مبارك قد تم اختياره من قبل الرئيس السادات وفق معايير وشروط واضحة ومحددة.. تتعلق فى الأساس بمفهوم (الصفوة الحاكمة) التي تكونت بعد يوليو 1952 م.. كذلك تم اختيار السادات من البكباشى ج.ح.عبد الناصر الذى كان يدرك تمامًا حقيقة اختياره.. وحتى اختيار البكباشى  لزكريا محيى الدين ليخلفه بعد التنحي الموهوم 1967 كان ضمن مفهوم الدائرة المغلقة لقصة الصفوة الحاكمة.. وحين قام مبارك بالتنحي كانت تلك الخطوة ضمن ذلك الميراث الكريه فى توارث السلطة.

كان البكباشى ج.ح .عبد الناصر، ومن معه وحوله من الرجال الأقوياء قد كونوا تلك الصفوة الجديدة  التي لم تغب أمريكا أبدًا عن تكونها.. من الوزراء وأعضاء البرلمانات وأعضاء المراتب العليا فى الحزب الحاكم( الاتحاد الاشتراكي وقتها) وكبار قادة القوات المسلحة والصفوف العليا من البيروقراطية التى يسمونها (الصفوة التحتية).. وحين جاء الرئيس السادات اضطر هو ومن حوله من الرجال الأقوياء لترتيب نسق الصفوة فى البناء القيادى الجديد.. وسرعان ما تكونت الصفوة الجديدة ضمن الإطار الصلب (للقالب الداخلى) التى تدير وتحرك عملية الاتصال الداخلى فى شبكة التبعية (ميكروفيزياء السلطة).. وهى تلك الشبكة القائمة حتى الآن  والتى استعصت تمامًا على الكسر والاقتحام.. فلم يكن الرئيس المنتخب ومن معه على وعى كافٍ بحقيقة (السلطة العليا) وطبيعة هذه (الصفوة) التى تقبض عليها.. وظنوا كما ظن كثيرون أن 25 يناير قد طوت التاريخ واعدة بمصير مجيد بلمسة من عصاها السحرية فى غمضة عين.. وأن ما جرى.. ما كان غير(صفوة يوليو) فى طور جديد.. استحوذت علينا بدلاً من أن نستحوذ عليها.. لم يدركوا أن تغيير هذه الصفوة القابضة بثقل بالغ على (القوة المركزية) لا يكون باقتحامها والاستيلاء عليها وإن حتى بانتخابات.. بل بمحاصرتها(بقوة الإنسان وقوة المجتمع المدنى الذى يحتويه)..                                                                           

 كانت اللهفة على السلطة والقوة والنفوذ تفوق أى مسعى آخر من المساعى التى يفترض أولويتها فى سياق المفاهيم الثابتة والكبرى عند التيار الإصلاحى .. والموضوع لا يتصل بالفكرة بقدر ما يتصل بالأشخاص ورغباتهم الجامحة وقد تصوروا أن هذه الساعة هى أكثر الساعات ملائمة للقبض على أطراف الدنيا.

مصدر الخبر : المصريون

اخبار متعلقة

اضف تعليق