المحتوى الرئيسى

برلمان ىىىى قراءة في صورة

برلمان ىىىى .. قراءة في صورة 12/27 06:12

تتغير الوجوه وتتغير الأسماء. ولكن هل تتغير «الصور»؟ أو بالأحرى ما تخبئه ظلالها من دلالات؟

قبل أيام من انعقاد أولى جلسات البرلمان الذي ستحرص مانشتات الصحف أن تطلق عليه احتفالا: «برلمان ى يوليو»، بوصفه «الاستحقاق الأخير» لخارطة الطريق المعلنة في ذلك اليوم من عام ىىىى، صادفتنى هذه «الصورة» والتي وجدت أنها في مناسبة كتلك تستحق القراءة.

«موافقون .. موافقون» - تصوير أحمد المصري (من أرشيف «المصري اليوم»)

غيب الموتُ كمال الشاذلي، وكذلك فعلت نصوصُ القانون «المرنة» بأحمد عز، بعد أن كان «انقلابُ القصر» قد أخذ زكريا عزمي إلى بيته. يظن البعض أن برلمانات مبارك (والتي كان ما جرى في آخر انتخاباتها ىىىىضمن عوامل إسقاطه)، قد صارت صفحة في التاريخ ليس أكثر. فالوجوهُ تغيرت، والأسماءُ لم تعد هى الأسماء ذاتها. وهذا صحيح بلا شك، من ناحية الشكل وحروف الهجاء في قوائم العضوية. ولكن هل تغير «المضمون»؟ هل تغير الدور الذي كانت السلطة «التنفيذية» دائما تريده للبرلمان؟ هل هناك فارق كبير بين أن يكون الواقف في الصورة القديمة هو أحمد عز الذي عرفناه «مهندسا» لانتخابات ىىىى، أو من أخذ مكانه وإن اختلفت الأسماء لا الأدوار؟ كنا قد سمعنا الرئيس ينتقد نظام مبارك قائلا إنه كان لا بد أن يرحل. فهل يختلف النظام الذي أتى لنا بالبرلمان الذي من المفترض أن يعقد أولى جلساته هذا الأسبوع عن نظام مبارك «الذي كان لا بد أن يرحل» كما قال الرئيس؟

عندما يقول عماد جاد (الذي لا يمكن لأحد أن يقول أنه من خلايا الإخوان النائمة) إن ائتلاف دعم الدولة ليس أكثر من «استنساخ للحزب الوطني»، وعندما يكشف المحررون البرلمانيون عما قاله لهم اللواء بدوى عبداللطيف هلال، النائب عن دائرة ميت غمر بمحافظة الدقهلية (وهو رجل شرطة سابق)، من أنه وقع على وثيقة تحالف «دعم الدولة»، بعد أن طلب منه «الأمن الوطني» ذلك. يصبح الحديث عن أن هناك «عهدا جديدا»، محل نظر. وتصبح صورة «أحمد عز في البرلمان» غير بعيدة عمليا عن واقع الحال.

أذكر أن أحد أركان «التنظير السياسي» لنظام مبارك كان قد قال لي في جلسة ذكريات قبل نحو العامين، أن «فجاجة» أحمد عز في إدارة انتخابات ىىىى، واعتماده المطلق على الأجهزة الأمنية، وأذرعها الإعلامية (مع غياب اعتبارات السياسة وحساباتها) فضلا عن اغتراره بقوة النظام، هي التي أدت في النهاية إلى إسقاط النظام. فهل ثمة تشابه بين الليلة والبارحة؟

في مقال مهم بجريدة «الأهرام» يذكرنا المهندس يحيى حسين عبدالهادي (وهو بالمناسبة من أبناء القوات المسلحة) بما جرى من إجهاض أمني «ودولتي» لمحاولة إيجاد برلمان حقيقي. يقول: إنه منذ نحو عام تواصل نحو سبعين من المهمومين الحقيقيين بمصر لاستطلاع الرأي فيما ينبغى عمله بشأن مجلس النواب المقبل.. من بينهم: بهاء طاهر وجلال أمين وعبدالجليل مصطفي ومجدي يعقوب وسيد حجاب (كاتب ديباجة الدستور الجديد). لاأحد منهم كان راغبا في الترشح، وإنما كان هَمُهُم المشترك هو وضع آليات تضمن ترشيح عدد من الأكفاء لمجلس النواب على أساس الجدارة والتنوع، وتتكون منهم (نواةٌ قِيَمِيَة) تقدم نموذجا قابلا للتكرار والتوسع في البرلمانات المقبلة وتمحو بالتدريج الصورة النمطية المبتذلة التي تأتي بها السلطة عادة لنواب البرلمان.. ولتحقيق ذلك وُضِعت معايير صارمة وتم تشكيل لجنة محايدة تختار المرشحين بناء على هذه المعايير ولا يَحق لأعضائهاالترشح.. وسُمِى هذا الكيانُ (صحوة مصر).

ثم يلخص المهندس عبد الهادي تفاصيل كنا قد سمعنا بعضها من أصحاب التجربة أنفسهم. من أن  (صحوة مصر) لم تطمح لتكوين أغلبية أو تشكيل حكومة وتركت التنافس على المقاعد الفردية بالكامل لمن يريد.. بل لم تَسْعَ لتكوين تكتل مُعارض وإنما مجرد نواة صغيرة من أشخاص محترمين لديهم القدرة على أداء الدورالرقابي والتشريعي للنائب … ومع ذلك يبدو أن هناك من فضل أن يكون لدينا مجلسا مطيعا خاليا من أي صوت مختلف.. بدأت ضغوط (الأجهزة) على المنضمين لقوائم صحوة مصر بالترهيب مع البعض والترغيب مع آخرين للانضمام إلى قائمة بذاتها قيل إنها تمثل (الدولة) وأنها تموت (في حُب مصر) وكأن الآخرين يكرهونها (!).. ضغوط حقيقية وليست شائعات، وإذا كانت دواعي عدم البَوْح بأسماء من رضخوا لهذه الضغوط مفهومة،(والكلام مازال للمهندس يحيى حسين)، فإن رجلا بقامة اللواء أ.ح/ نجيب عبدالسلام قائد الحرس الجمهوري الأسبق أزال الحَرَجَ بتصريحه للمصري اليوم بأنه تعرض لهذه الضغوط التي تمثلت في رسائل شفهية واتصالات تليفونية لإجباره على ترك صحوة مصر.. في الوقت نفسه كان مشهد التناحُر للانضمام إلى قائمة (الدولة) صورة طبق الأصل من مشهد المتدافعين للترشيح تحت لافتة الحزب الوطني وقتَ أن كان ترشيحُ الحزب المنحل لشخص مايضمنُ له النجاح حتى بدون انتخابات.. انتهى ما حكاه المهندس عبدالهادي في «الأهرام»، ولكن القصة التي كنت قد أشرت إليها في مقال سابق لم تنته. هل هناك من مازال لا يرى العلاقة بين صورة أحمد عز والبرلمان الذي يعقد أولى جلساته ربما غدا؟

ليس بعيدا عن ذلك كله تفاصيل ما جرى في الانتخابات الطلابية للجامعات المصرية، فقبل أيام فقط من انعقاد البرلمان الذي جرت «هندسته» لم تتحمل الثقافة الأمنية الحاكمة أن يأتي اتحاد طلاب مصر عصيا على ما جرى التخطيط له، فماطل أصحاب القرار في اعتماد النتيجة التي تعكس إرادة الطلاب أسبوعين كاملين، ثم كان من لم يتردد في إتخاذ قرار بإعادة ما يستطيع أن يعيده منها. لا بأس، فهذا، كما كثيرٌ مثله من «أعراض المرحلة». هناك للأسف من لا يدرك قيمة الديموقراطية لمستقبل هذا البلد. وهناك للأسف من لا يدرك خطورة «الرسالة» التي يقدمها لجيل جديد. وهناك للأسف من لا يعرف الثمن. وهناك بعد كل ذلك من يريدنا أن نصدق أن «هناك ما تغير».

أتذكرون تصريح زكريا عزمي النائب البرلماني ورجل رئاسة الجمهورية القوي عن «فساد المحليات الذي وصل للركب»؟ يومها كان الاتفاق غير المكتوب (والذي يعرفه نواب وإعلاميو المرحلة) أنه من المسموح، بل وربما من المطلوب (تخفيفا للاحتقان) أن تهاجم من تشاء في الحكومة (على ألا تقترب من الرئيس).

قبل أسابيع، وفي حوار هاتفي مع قناة CBC قال «اللواء» سيف اليزل المسؤول الأول عن ائتلاف دعم الدولة (والذي بدا أن انعقاد البرلمان كان في انتظار الانتهاء من تشكيله): أن دعم الدولة لا يعني دعم الحكومة.. نحن سنعارض الحكومة إذا وجدنا ما يستدعي .. «ولكننا ندعم الرئيس»(!).

يقول العارفون بفلسفة الفصل بين السلطات أن السلطة التشريعية من مهامها مراقبة ومحاسبة السلطة التنفيذية (المادة ىىى من الدستور)، وتقول المادة ىىى من الدستور ذاته الذي من المفترض أن يقسم نواب الأمة على احترامه أن «رئيس الجمهورية هو رئيس السلطة التنفيذية».. هل ثمة ما يحتاج إلى تعليق؟

(هامش: من استمع «جيدا» إلى حديث الرئيس في الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، والذي عبر فيه عن فهمه لمهمة البرلمان، لن يجد على الأغلب ما يلوم عليه السيد اللواء).

في الثاني من هذا الشهر، شاهدنا على الهواء مباشرة جلسة ماراثونية لمجلس العموم البريطاني (استمرت عشر ساعات كاملة) لمناقشة ما إذا كان على المملكة المتحدة المشاركة «عسكريا» في ضربات التحالف الدولى لتنظيم الدولة الإسلامية ISIS. يومها لم نسمع طوال الساعات العشر من يقول إن تلك مسألة «أمن قومي» غير قابلة للنقاش. بل أدرك من يعرفون معنى الديموقراطية أن مسائل الأمن «القومي» هي الأولى بالنقاش العام لأنها ببساطة تعنى «القوم» كلهم، ولا يصح أن ينفرد أيا من كان بقراراتها. هل عرفتم لماذا تصبح الدول القوية «قوية»؟

في ديسمبر أيضا من العام الماضي ىىىى وقفت السيدة Dianne Feinstein تقدم تقرير اللجنة التي شكلها مجلس الشيوخ الأمريكي للتحقيق ومساءلة مسئولى وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA عن«تجاوزات» بدت تنتهك حقوق الإنسان.

لم يشفع للتجاوزات دعاوى أنها كانت بهدف «الحرب على الإرهاب» أو الحفاظ على الأمن القومي الأمريكي. كما كان واضحا أنه «حيث الديموقراطية لا حصانة لأحد». وحيث الديموقراطية لا يوجد ما يسمى «بالجهات السيادية»، حيث السيادة للشعب، وللشعب وحده. وحيث الديموقراطية تكون مجالس النواب «حقيقية»، وحيث الديموقراطية تكون «الدولة» بالتالي «قوية». تقول الأرقام أن الشركات الأمريكية هي الأكبر. وأن الجامعات الأمريكية تحتل المكانة الأولى بين أرقى جامعات العالم. وأن العدد الأكبر من الحاصلين على جائزة نوبل في العلوم إن لم يكونوا أمريكيين بالولادة، فهم أمريكيون بحكم الانتساب إلى معاهد العلم والبحث هناك.

باختصار، حيث الديموقراطية، هناك دولة قوية معاصرة. وفي الدولة المعاصرة لا مكان لثقافة «السمع والطاعة» ولا لثقافة «الراعى والرعية»، كما لا مكان لمرشد أو زعيم ملهم «مُفَوض».

ناهيك عما نعرفه، وسمعناه من قيادات «ائتلاف الأغلبية» عن نية مبيتة لتعديل الدستور الذي وافق عليه الناس بنسبة تصل إلى ىىى (تعديلا قد يسمح بمد فترة تولي الرئيس ويحد من سلطات البرلمان) يبقى الأكثر إثارة«ودلالة» في «المسألة البرلمانية»، أن أول مهمة لهذا البرلمان ستكون البحث عن وسيلة مقبولة «لانتهاك الدستور»، بعد أن أغرقه الرئيسان منصور والسيسى بما يزيد على ىىى قانون؛ عليه حسب المادة ىىى من الدستورالذي أقره الشعب في ىىىى إما أن يناقشها، أو أن يتنازل بإرادته عن المهمة الأولى التي اخترعت لأجلها مجالس النواب؛ «التشريع». فيضع سلطته «واقعيا» في المكان التي أريد لها أن تكون فيه. لاحظوا من فضلكم أن هناك من القوانين ما صدر بعد بدء انتخاب البرلمان وقبل أيام فقط من انعقاده.

لا أعرف لماذا تذكرت عبارة مبارك الشهيرة: «خليهم يتسلوا» وقت كنت أطالع لافتات المرشحين التي ازدحمت بها الطرق والجسور، ومن ثم أسماء الناجحين. ولا أعرف إن كان هناك من كانت تلك العبارة في باله وهو يهندس تلك الانتخابات «قانونا وإدارة» لتأت بهذه النتيجة. ولكنني أعرف أن مؤدى العبارة لن يكون بعيدا عن واقع الحال، بغض النظر عن التفاصيل.  

مصدر الخبر : الشروق

اخبار متعلقة

اضف تعليق