المحتوى الرئيسى

معتز حجاج يكتب عندما يتحول مسلسل كارتون إلى سم قاتل

معتز حجاج يكتب: عندما يتحول مسلسل كارتون إلى سم قاتل 12/27 10:28

أعددت نفسي منذ أولى حلقاته، وقبيل موعد إفطار رمضان، أن أكون أول المحلقين حول التلفاز، عليّ أن أسبقهم، أخفي الريموت كي لا يتمكن أحد من تغيير القناة.. هل يشاهده أحد غيرنا في مصر؟

أعتقد أن الكثير من الأطفال يشاهدونه، لكن ليس جميعهم بكار.. أنا بكار وحدي، أشبهه تماماً، طفل يشهد له الجميع بالذكاء، يجيد الرسم، مائل للسمرة، وشعره مفلفل أيضاً، فضلاً عن كل ذلك، أنني من أسوان، وإن لم أكن نوبياً، فهل بكار يخص النوبيين وحدهم؟

الشخصية ملك لكل أطفال أسوان، نوبيين وصعايدة على السواء، جميعنا بكار، وأنا أكثرهم شبها به.

عقب الهجوم الإرهابي على ست عشر كمينا بسيناء، كتبت “مدام إحسان بتحب مصر أوي”، كان ذلك اسم حسابها على الفيس بوك فقط، أما ما كتبته فكان:

“لا مؤخذة بقى، لا تقولي مواطنة ولا إنسانية، طول عمر السيناوية خونة، وبيتعاونوا مع الإرهابيين، وبينهم وبين حماس علاقات نسب وقرابة، الدولة لازم تضرب بإيد من حديد، أي حد من أهالي سينا مشكوك فيه لغاية ما يثبت العكس، مش كل يوم هيموت لنا شباب زي الورد، ربنا يرحم أمواتنا من الجيش والشرطة اللي بيموتوا عشان إحنا نعيش، ويصبر أهاليهم”

لا تسيء فهم كلمات “مدام إحسان بتحب مصر أوي” الإنفعالية، مدام إحسان غيورة على وطنها لا أكثر، مثلنا جميعاً، وحتى في لحظة إنفعالها تلك تركت طابعا إنسانيا ملحوظاً، حينما دعت صادقة بالرحمة على شهداء الجيش والشرطة، حتى وإن لم تدعو بنفس الحرقة للمواطن المقتول على أيدي الإرهابيين، في نفس اليوم، لرفضه إستغلال سطح منزله لإقتناص الجنود المصريين، المواطن السيناوي “محمد قويدر”.. القاعدة عامة، السيناوية خونة، و”قويدر” إستثناء لا يعول عليه.

كما أن “مدام إحسان بتحب مصر أوي”، في منشور سابق على هذا، كتبت بكلمات من ذهب تشر إنسانية، معزية الأمة الفرنسية، على غرار اللافتات رديئة الصنع المهنئة بالمناسبات الدينية والوطنية، في قتلى حادث “شارلي إيبدو”.. ألا ترى أن هذا الموقف مشرف جداً؟ ألا يكفي للصفح عن زلة دفعها لها حبها لمصر أوي؟ّ!

نعم، أنا بكار، لكن لا أمتلك المعزة “رشيدة” في منزلنا، ولا أذهب إلى مدرستي بالجمل، لدينا مواصلات كباقي المدن المصرية، ونرتدي أحدث الثياب، ونستخدم التكنولوجيا الحديثة في التواصل، كان هذا ردي المستمر على زملائي في معسكر طلابي بمحافظة شمال سيناء، جمع طلاب الصف الإعدادي من كافة الجمهورية.. مدينتنا جميلة، مسلسلي المفضل تحول إلى كابوس، كيف يرونا بهذه الصورة؟

لم يكن لسؤالي إجابة حينها، لكن السؤال تبعه أسئلة، منها أنني أيضا كنت أرى السيناوي راعي غنم، جميعهم بدو، لكن الأمر على أرض الواقع الذي عاينته طفلا لم يكن كذلك، يعيشون في عمائر وبيوت من الطوب والإسمنت وليس خياما كما ظننت.

على كل حال لن يضرني من هذا التنميط شيء، علي أن أستغل صورة أخرى أعيد بها تعريف ذاتي للآخرين، إن كان بكار قد حرق، فأنا صعيدي، وكم هي كثيرة صورة الصعيدي العصبي الحمش الشهم القادر على فعل الأعاجيب في التليفزيون والسينما المصرية، جميل أن يراني الناس أحمد السقا في الجزيرة، أو البدري بدار في ذئاب الجبل، شنب أستاذ أحمد عبد العزيز يليق بي، لكن الخوف كل الخوف من النكات التي ترانا حفنة من المغفلين والأغبياء.

“مدام إحسان بتحب مصر أوي”، لا ترى من بين الفرنسيين عنصريين، والذي يكتبه مهاجرون عرب -ليسوا مسلمين فقط- عن تصرفات عنصرية تحدث معهم هناك على مواقع التواصل، في نظرها إستثناءات وليست قاعدة عامة، وترانا أمة عنصرية لا يوجد بيننا إستثناء واحد يوحد ربنا، سواها طبعا.. فريقان واحد متحضر وآخر عنصري في صراع نحن المخطئون به من رؤوسنا حتى خُمص أقدامنا.

لا يعني ذلك أنني أبرر حوادث الإرهاب في الغرب، لكنها ترى بنفس المنظور الذي يرى به الإسلاميون الآخر، والغرب على وجه الخصوص، كل ما يأتي منهم خبيث، وكل ما نفعله نحن طيب، نحن المظلومون وهم المعتدون دائما، إختزال مُخل لعدد ضخم من البشر في صورة واحدة جامدة طيبة كانت أو شريرة.. التعميم والتنميط أول درجات العنصرية مهما تعددت أشكاله، والشائعات لا تفندها حقائق مهما بدت واضحة ومنطقية.

أغلقت مدام إحسان حسابها بعد هجمة شرسة أطلقها عليها “بتوع حقوق الإنسان”، ذلك أفضل لعلها تراجع مواقفها، وإن لم يكن، فقد إسترحنا من إطلالتها على كل حال.

في تقريرها المهم “السوريون لم يتعرفوا إلى أبناء وطنهم إلا بعد الثورة” على موقع رصيف 22، كتبت “أماني الشيخ”:

“كانت تنتشر الشائعات حول أبناء كل المدن السورية تقريباً. فيقال عن أهل حمص أنهم جدبان (مغفلون)، ويؤلف أبناء بقية المناطق السورية عنهم النكات المتأسسة على هذا الاعتقاد. ويقال عن أهل إدلب إنهم مثليو الجنس، وعن أهل دير الزور إنهم مختلفون جدا حتى إنهم لا يستحمون.”

أيا كان مصدر تلك الشائعات، يظل وجه الشبه بيننا وبين السوريين كبير للغاية، فالصعايدة في نظر وجه بحري أغبياء، وهم في عيوننا منحلين، أي إمكانية هنا لتوحيد جهود المجتمع ضد الإستبداد مستحيلة، نحن أنفسنا مستبدين وعنصريين ضد بعضنا البعض، فكيف نتحد؟

الشعوب الطيعة للاستبداد يسود فيها التنميط، ويصبح تقبل الاستبداد فيها رد فعل للخوف من الآخر، الآخر عدو يحمينا منه المستبد.

مدام إحسان ستظل تؤيد السيسي طالما ظلت مقتنعة أن السيناوية خونة، قد تكون وطنية بحق، لكن هل ارتكبت جرائم تنافس في بشاعتها تلك التي ارتكبت باسم الدين، غير التي ارتكبت باسم الوطنية؟

مصدر الخبر : 18زائد

اخبار متعلقة

اضف تعليق