المحتوى الرئيسى

المستشار جنينة والـ600 مليار

المستشار جنينة والـ600 مليار 12/27 12:16

فاجئتنا تصريحات المستشار هشام جنينة، رئيس الجهاز المركزى للمحاسبات بنشل 600 مليار من مقدرات الشعب المصرى، أى إهدار هذا الرقم الكبير من خلال عمليات فساد متنوعة أدت لضياع هذه القيمة والتى تقارب ميزانية الدولة!

ونظرا لأن الشىء بالشىء يذكر فلابد عند الحديث عن الفساد أن نتذكر المستشار جودت الملط.

فالمستشار الجليل جودت الملط، رئيس الجهاز المركزى للمحاسبات، بعصر مبارك كان ذو أداء محاسبيا متميزا أيضا، أداء كاشفا للملايين والمليارات المنهوبة أو المسلوبة أو المنشولة من الشعب المصرى، كما كان هناك موسما للحديث عن الفساد لهذا العصر وهو قرب اعتماد الميزانية.

لكن لم تكن معارك المستشار الملط من خلال مكتبه أو التصريح لوسيلة إعلام، ولكن كانت بمكان آخر وهو مجلس الشعب والذى كانت تهتز جنباته لهذا التقرير.

كانت فقرة المستشار جودت الملط متلازمة مع فقرة اعتماد الميزانية لمجلس نواب الحزب الوطنى، فكل عام وفى نفس التوقيت يظهر التصريح وتلتهب معه جنبات الإعلام، وتحمر مانشيتات الصحف بحثا عن الفساد والفاسدين والمفسدين، وتبدأ رحلة بحث "تخيلية" فى شكل فقرة مسرحية عن الفساد.

وما يلبث البرلمان أيضا أن تصل له أعراض نصرة الفضيلة، وتبدأ الخطب العصماء للنواب ويبدأ المجلس فى صب اللعنات على المفسدين ومن معهم فى مشهد دراماتيكى شديد التأثير وينتهى المشهد بطلب جماعى للقصاص وتطبيق أكبر العقوبات المتاحة على كل من أفسد وفسد.

فلمن يتذكرها واعتقد أنهم كثر، فهى حقا كانت فقرة ممتعة ومسلية، وعادة ما كانت تستمر لشهر يقل أو يزيد قليلا، وتنتهى بانتفاء الغرض ويعود الجميع لأماكنهم سالمين، سواء فرسان الفضيلة من نواب البرلمان أو المفسدين والفاسدين لممارسة فسادهم الطبيعى بهدوء، أو حتى المستشار الملط فبعد انحصار الضوء وانتهاء الفقرة يعود هو أيضا لمنصبه بهدوء باحثا عن مليارات جديدة تمهيدا لميزانية العام الجديد.

ما سبق كان خلال أعوام ما قبل الثورة، أما أعوام الثورة فتبدل سيناريو فقرة الفساد قليلا، فكان للحديث عن الفساد مذاق آخر، فمع كل أزمة أو بادرة أزمة سياسية كانت تظهر علينا قيادات الثورة والمتثورين صابين اللعنات على الفاسدين ومحيلين كل مشاكل الوطن إلى نهب مقدراته، ومع تلك الدعوات تتلازم دعوات لتشكيل لجان البحث عن المفسدين والأموال المنهوبة.

هذه الأموال التى بدأت فى أول الثورة ببضع مليارات حتى ما لبثت مع تعدد اللجان وتعدد القائمين عليها أن وصلت لتريليونات من الجنيهات، ومن خلال فقرة إعلامية ثورية تبدأ النخبة فى استدعاء أداء المستشار الجليل الملط، وتبدأ فقرة صب اللعنات، وتبدأ معها رحلات البحث عن الكنز فى البنوك الأوروبية.

لم يكن استدعاء فقرة الفساد خلال أعوام التثور الأربعة من خلال مواعيد محددة كما عودنا نظام مبارك، ولكن كان الاستدعاء همايونيا، وبكثرة و عند الحاجة ومع زيادة الحاجة لفقرات صب اللعنات بدأ الاستدعاء يتواتر بشكل أفقد لجان الأموال المنهوبة قيمتها، وقل معها عدد المشاهدين.

تكرر المشهد وتكرر إبطاله أدى لانحسار التسلية والاهتمام للشعب المصرى، فمع كل تشكيل جديد للجان البحث عن الكنز أو الأموال المنهوبة والتى تزيد مع كل لجنة قيمة المنشول من الشعب، كانت تقل معه نسبة الاهتمام.

وحمدا لله انتهت فترة التثور وبدأت فترة إرساء قواعد الدولة الحديثة، وبناء المؤسسات والبرلمان، ومع بداية البرلمان وبداية الحديث عن الميزانية بدأ ظهور المستشار جنينة، والذى حمل معه ميراث المستشار جودت الملط وميراث لجان البحث عن الكنز والتى استعصى عليها كشف الكنز كما استعصى على الملط كشف عصابة الفساد.

فبدأ المستشار جنينة يرفع أيضا سقف توقعات الشعب المصرى عن الكنز المفقود، وهو أيضا موسم الميزانية ضاربا كل الأرقام القياسية السابقة فى كشف الفساد، وبدأ هو أيضا فى إطلاق التصريحات الرنانة جاذبا مع تلك التصريحات الكاميرات إليه معلنا عودة فقرة الملط والبرلمان.

ولكن لنعود للعقل والواقعية، فربما لدى بعض النصائح لم يمهلنى القدر أن أنصح بها المستشار الملط ولم تسعنى الظروف السعيدة أن أكون فى أحد لجان الأموال المنهوبة، أو أحد أفراد الوفود المشاركين فى رحلات البحث عن الكنز الضائع فيما وراء الحدود وأعالى البحار.

مصدر الخبر : مبتدا

اخبار متعلقة

اضف تعليق