المحتوى الرئيسى

آدم يس مكيوي يكتب ثرثرة في مسألة البحيري

آدم يس مكيوي يكتب: ثرثرة في مسألة البحيري 12/30 10:14

قراءة وضع الباحث المصري إسلام بحيري الذي حكم عليه بسنة سجن مؤخرا من جنح مستأنف جنوب القاهرة يحتاج لعدة طبقات من القراءة وليست قراءة واحدة بسيطة تضع الصراع في ثنائية (العقل ضد النقل) أو (الاجتهاد ضد عبودية النص)، فالأمر اليوم مع اتساع رقعة المتابعين وانفتاح محابس الثرثرة وتضخم الموزاييك المجتمعي والقوة المؤثرة، لم يعد مجرد صراع كلاسيكي بين -على سبيل المثال- مارتن لوثر أو جون كالفين والكنيسة الكاثوليكية أو مفكري عصر النهضة ايرازموس ورابليه ضد السوربون التي كانت في القرون الوسطى وحتى القرن السابع عشر مؤسسة ظلامية تقمع وتصادر الكتب التي ترى فيها خروجا عن العقيدة وهرطقة.

الصراع هنا ليس ثنائيا، بل الأوراق مختلطة والضجيج عال، فكأن المتابع يمارس ما كان يسمى برسم القلب بالمجهود، والمنتصر هو من يدخل خصمه الفكري في صراعات وقضايا واتهامات شخصية حتى يسقط من فرط الإجهاد صريعاً.

من حضر محاكمة بحيري، لوجد الرجل قد خف وزنه وشحب وجهه، وإن كان لا يزال يحتفظ بروحه المتمردة النزقة المتجاوزة أحيانا.. يترافع لمدة تتجاوز الساعتين أمام القاضى الذي احتفظ بنظرات أحادية، قبل أن يحكم بحبس الرجل سنة بعد مداولات طويلة ولغو لا يغني ولا يسمن، بينما وقف أحد محاميي الإدعاء لا يعلم المنطق ما هي صفته، ليقول إن إسلام بحيري يرتدي الذهب ولا يصلي على النبي، وزوجته متبرجة، ولم يدخل مسجدا في حياته قط، في مشهد شبيه بمسرحيات ألفريد فرج، حتى إن كل من في القاعة تنفسوا الصعداء بعد هذا الأداء الهزلي، ووقر في قلوبهم أن البراءة حتمية في اتهام حصل فيه المتهم على براءة من نفس التهمة في دائرة قضائية مختلفة!

خريطة المتابعين والفاعلين في المجتمع المصري تم إعادة ترسيمها من جديد بعد 2011 وظهرت تصنيفات جديدة ودخلت قطاعات كبيرة من الشعب على خط المواجهة والمتابعة لقضايا كانت تعتبر فيما مضى قضايا نخبوية أو تخص المثقفين وأعداءهم من الدوجمائيين أو المنتمين للتيارات الإسلامية.. لم يحدث أن اقتحم أحد مثل إسلام بحيري البيوت ببرنامج أسبوعي يفند فيه ما يجده من عوار في التراث، ويبحث عن تنقية التراث بطريقة لوثرية من الشروح والتفاسير التي كونت طبقة ثخينة خنقت النص وأعطت له أبعادا جديدة وأثقالا كثيرة.

فيما يلي سنفرد نماذج حديثة لمفكرين وباحثين خرجوا عن السياق المألوف، ولكن لم يثيروا جدلا واسعا مثل خليل عبد الكريم أو الشيخ الأحمر كما اسمته وكالة برافدا الروسية.

خليل عبد الكريم كان إخوانيا متخرجا من دار العلوم، وانضم لحزب التجمع، وكان من مؤسسيه.. له عدة كتابات في التاريخ الإسلامي من منظور ماركسي.. صودرت عدة كتب له مثل “شدو الربابة في معرفة أحوال الصحابة” و”النص المؤسس ومجتمعه” و”فترة التكوين في حياة الصادق الأمين”، والذي تمت مداهمة دار النشر بسببه، وسحب الكتاب، وظهر بيان من جبهة علماء الأزهر المعنية بالتفكير في ذاك الوقت قال إن مكان خليل عبد الكريم هو أن يلقى بين هوام الأرض وتبتلعه بطون السباع، أي يلتهمه سبع، وهذا طبقا لعلماء الأزهر مكان الباحثين الخارجين عن السياق ومكاننا قريبا جمعاء -على رأي محيي إسماعيل- ومن الممكن في مؤخرات السباع أيضا.

عاش خليل عبد الكريم حتى نهايات التسعينيات ومات في صمت، لكن ظلت مؤلفاته موجودة في المكتبات وعلى المواقع، ومرجعا للعديد من الناس، ولم ينفع كلام جبهة العلماء ولم تنفع المصادرة.

أحمد صبحي منصور كان يعمل مدرسا في جامعة الأزهر.. تبنى اتجاها فكريا يسمى بالقرآنيين، وهو اتجاه “لا يوجد مجال للإسهاب فيه” يدعو حسب كتاب منصور للقرآن وكفى، ويلخص فكرة أن الرسول (ص) لم يدع لتدوين الأحاديث في حياته، وكذلك الخلفاء الراشدين، ولذلك القرآن يكفي.. تم طرد منصور من الأزهر بعد كتابه الذي يفند فيه حد الردة، واليوم هو في أمريكا، ولديه موقعه ودراساته منشورة.

إن مؤلفات عديدة مثل كتابات جواد علي وأبكار السقاف عن أديان وعقائد ما قبل الإسلام وما أخذه منها الإسلام لو ذكرت اليوم في برنامج على رؤوس الأشهاد، لهاج وماج الدوجمائيين وطالبوا بإخراج رفاتهما من تحت التراب وإعادة محاكمتهما.

علاء حامد مثلا دخل السجن بسبب رواية، وصلاح الدين محسن هرب للخارج بسبب كتابه “ارتعاشات تنويرية”، لكن كتاباتهما موجودة لمن يريد، ولن تزيد أو تنقص من الدين شيئا.

الدكتور نصر حامد أبو زيد الذي حاول بطريقة أكاديمية أن يحرر النص من القراءات العتيقة والسطحية، وأن يطلقه من عقاله عن طريق إحياء الفكر المعتزلي وإعادة قراءة ابن عربي وإخراج أحشاء فكر الأئمة على طاولة النقد والتشريح، فلم يقل لنا نصا مقدسا يوما بجواز عبادة الأئمة.. نصر أبو زيد طبق العلوم الحديثة في قراءته، ليفتح لنا لانهائية للتأويل تجعل النص مرنا قادرا على مواكبة أي عصر، وليس واقفا عند سياقات تاريخية محددة خاصة بصراعات سياسية وملوك وعروش.. التأويلات المتعددة للنص الواحد هي منتوج التراث الذي وصل لنا اليوم، واختلاف الفقهاء رحمة، فالصوفي قد يختلف مع الأشعري مع السلفي مع العلوي مع الوسطي مع القرآني في تفسير المسألة الواحدة، وباب الخلاف لا يحل بالسيف ولا بإلقاء المختلف وراء القضبان أو التفرقة بينه وبين زوجته كما حدث مع الراحل الدكتور أبي زيد، بل يدمج التراث والنص داخل عجلة الحداثة ولا يخرج الفكر الإسلامي من التاريخ ولا يجعله فكرا خارجا عن الإجماع الإنساني، كما حدث مع التنظيمات الأصولية المسلحة التي لها قراءة أيضا للنص، ليست قراءة جامدة، بل تنتقي من معين التراث ما يناسب تمردها المسلح.

الباحث والكاتب سيد القمني صاحب الدراسات الضخمة في إعادة قراءة تاريخ الميثولوجيا، تعرض لقضايا واتهامات ومصادرات ووقف أيضا أمام القضاة يترافع عن نفسه، وتلقى تهديدات جعلته في لحظة يعلن توقفه عن الكتابة، ثم يعود إليها.

التجارب كثيرة ومجال الاجتهاد خارج الإطار المرسوم لا تنتهي، لأن التراث سائل، وابن تيمية نفسه وصمه معاصروه بالكفر والهرطقة، وهو وتلميذه ابن القيم الجوزية لم يتركا أحدا إلا وكفروه، ولكن الناس لا تعي جيدا أن العقائد لا تهدد بتأويلها أو إعادة قراءتها أو نقدها، وإلا لكان اليوم عدد المسلمين لا يزيد عن مليون!

التراث الإسلامي حافل بالملل والنحل، والمسلمون يقضون معظم وقتهم في اللطم والعويل بسبب المؤامرة العالمية عليهم، بينما هم في غالبيتهم مؤامرة على البشرية، مثلما كانت أي عقيدة تتحور لتأخذ شكلا متطرفا.

على الصعيد الديني.. كثير من المعلقين من اتباع الحاكم الأب العاهل المنظم الأخلاقي الذي يريد تحديث الخطاب الديني بضغطة زر في دعوة غير جادة في كلام مصاطب وبرو عتب ومنظر فارغ أمام الغرب.. هؤلاء من جمعية دراويش السيسي على غرار “حبايب السيدة”، يعتبرون السيسي هو ظل الله في الأرض.. يرون أن إسلام البحيري خرج عن السياق وكدر السلم المجتمعي، وهم لا يريدون أن يعبث أحد بما يعتقدونه وما وجدوا عليه أباءهم وأجدادهم، وهذا يذكرنا بالمشهد الخائب الذي طردت فيه الفنانة الميديوكر رانيا محمود ياسين الشاب الملحد أحمد حرقان وصرخت فيه في وسط مناظرة، بدون أن تسأل نفسها: لماذا أتيت به من الأساس إلى البرنامج ليتناظر مع شيخ؟!

الإجابة لأن المذيعة الفاضلة لا تعرف ما معنى كلمة ملحد من الأساس، ولا تعرف أن هناك أناس على هذا الكوكب قد لا يؤمنون بما تربت عليه الأخت في بيتها ومدرستها، وأن هذا شيء طبيعي ومن سنن الكون.

على الصعيد السياسي يتشفى الإخوان والإسلاميين في إسلام البحيري وأساريرهم متهللة بسبب ما حاق بخصمهم الذي هاجم معاقل أفكارهم بحدة وبشدة وبتهور أحيانا، بل ويطالبوا بإعدامه، ثم يخرجون علينا بصراخ وعويل وندب بسبب الظلم الواقع عليهم، ويطالبون السيسي باحترام حقوق الإنسان معهم، ويفرحون للتنكيل بإسلام! في إزدواجية لا يلمحونها من فرط جعيرهم.

كثير من المحسوبين على المعسكر الثوري لا يرون أن إسلام بحيري يستحق التضامن، ربما لأنه قُدم للرأي العام على أنه مدعوم من رأس السلطة، في إطار حربها مع الإسلاميين وأنه تم إعطاء الضوء الأخضر للبحيري ليصول ويجول ويفكك دولة الإخوان فكريا، لكنه في حربه الضروس عرج على السلفيين ودخل في أساساتهم، ثم عطف على الأزهر وهو المؤسسة الكهنوتية الرسمية التي يعتمد عليها النظام، مثلما كان يعتمد ملوك أوروبا الكاثوليك على الكنيسة.. أداة القمع والتأصيل للطغيان بمباركة السماء، وهنا فطن أولو الأمر أن إسلام بحيري ليس مجرد أداة، بل له منهجه الذي قد تختلف معه كثيرا.. قد تجده صداميا.. قد تجده ضيق الأفق، لكنه مؤثر وجمع حول الرجل مريدين كثر.

الأزهر والسلفية المدخلية “الذين آثروا السلامة وإطاعة المتغلب” هما طرف أصيل في ما كان يسمى بتحالف 30 يونيو، الذي ذهب إلى مواسير الصرف الصحي، ولذلك لوحوا بالتمرد والعصيان عندما رأوا الرجل يصول ويجول ويفتت أساسات الكهنوت برعونة أحيانا.

لم أجد لإسلام بحيري تصريحا يؤيد سحق الإخوان جسديا، أو كلاما يؤيد النظام في مسلك قمعي، مثلما يظهر كل يوم عشرات المذيعين والخبراء الإستراتيجيين والمؤيدين الفيسبوكيين الذين يتشفون ويطالبون بمزيد من الاعتقالات ومزيد من الدماء ليرتوى بها الحكم ويعضد أركان دولته.

الرجل تم حسابه على النظام رغم أنه لا يتحدث في السياسة إلا نادرا، على عكس الحكيم د. خالد منتصر مثلا الذي لا يمل عن نشر قوائم مضروبة لأسامي ثورية، يدعي أنهم  تقاضوا أموالا وهمية مقابل مشاركتهم في الثورة، وهو مهتم حتى اللحظة في وسط المعامع والخطوب بأراء “عبمنعم” الشحات حول المرأة.

مصدر الخبر : 18زائد

اخبار متعلقة

اضف تعليق