المحتوى الرئيسى

عن الأزهر وإسلام بحيري وحرية التعبير

عن الأزهر وإسلام بحيري وحرية التعبير 12/30 16:19

اقرأ أيضا: لماذا اجتمع السيسي بعدلي منصور ؟ الدين لله .. والوطن للمخابرات ! وزير التنمية المحلية وعذر أقبح من الذنب أزمة عزل محافظ الشرقية ودلالتها مطلوب تدخل الرئيس لتصحيح هذا الخطأ الجسيم

لا أستريح أبدا لفكرة محاكمة الكتاب أو الباحثين على ما يقدمونه من أفكار خاطئة أو شاذة أو مستهترة ناهيك عن سجنهم بسبب ذلك ، واللجوء لهذه الطريقة ضرره أكثر من نفعه ، إن كان له نفع ، وأنا أدين ذلك كله ، وأتمنى أن تلغى من القانون المصري كل تلك النصوص التي تحاكم ضمير الكاتب أو حتى رأيه ، ما لم يكن الرأي مرتبطا بجريمة ، مثل التحريض على العنف أو الكراهية أو نحو ذلك ، وأعتقد أن المجتمع المدني الحي والعفي يملك أدوات إنسانية كثيرة لمواجهة أي نزق فكري أو حتى استيعابه ، كما أن هذا المجتمع "العفي" هو الأقل انفعالا أو استشعارا بالخطر تجاه مثل هذه الأمور ، ولذلك لا أتضامن مع حبس الإعلامي إسلام بحيري ، رغم رفضي لما يقدمه جملة وتفصيلا ، وقد تابعت بعض ما يقوله فوجدت فيه سطحية علمية غريبة تصل إلى حد السخافة ، وهي سطحية عادة ما ترتبط عند صاحبها بنوع من "التشبيح" والبلطجة الإعلامية لتغطية النقص العلمي أو صناعة "شو" إعلامي أو جذب الانتباه ، على طريقة "جر الشكل" ، وهي طريقة بعيدة تماما عن أجواء العلم والمعرفة والبحث الرصين عن الحقيقة وجهود الإقناع وسماحة المفكرين ، خاصة في المسائل الحساسة مثل الأديان والمقدسات ، وهذا "التشبيح" والبلطجة في الجدل الفكري المتصل بالدين تحديدا برز فيه سيد القمني قبل عدة سنوات ، وقبل أن ينتهي "دوره" ومرحلته ، وكانت طريقته في الحوار والحديث لا يمكن أن تتصور صلتها برصانة الباحث أو عفة المحقق أو نبل الباحث عن الحقيقة ، وكان القمني يدعي أنه حاصل على الدكتوراة من جامعة أمريكية ، فلما قمنا في المصريون بتقصي تلك الحكاية وتحقيقها واستعنا بنشطاء دارسين في الولايات المتحدة ، وجدناها تزويرا محضا ، والجامعة التي ينسب شهادته لها غير معترف بها في أي مستوى أكاديمي هناك بل غير موجودة على الإطلاق ، وهي كانت لعبة نصب للبعض هناك يبيعون فيها شهادات الدكتوراة المضروبة بمائتي دولار وشهادة الماجستير بمائة وخمسين دولار ، قبل أن تتوصل إليهم الأجهزة الأمنية الأمريكية وتلقي القبض عليهم ، واستغرقت منا هذه الرحلة شهرا ونصف وأثارت ضجة إعلامية وقتها قبل حوالي ثماني سنوات عندما نشرنا وثائقها كاملة ، والطريف أن وزارة ثقافة فاروق حسني صاحب نظرية "الحظيرة" التي أدخل فيها المثقفين منحت سيد القمني وقتها جائزة الدولة التقديرية بناء على هذه الشهادة المزورة أساسا وبعض كتبه ، ورفض جابر عصفور سحب الجائزة بعد الفضيحة .

بخصوص الشاب إسلام البحيري لا أعرف مدى صحة ما يقوله عن حصوله على شهادة أكاديمية من جامعة ويلز البريطانية متعلقة بمناهج الفكر الإسلامي ، البعض قال أنه يحمل دكتوراة وهو نفسه يقول أنها ماجستير في التاريخ وليس في الفكر الإسلامي ، ولعل بعض شباب الباحثين يحققون لنا هذه المعلومة من الجهات الأكاديمية في بريطانيا ، وما إذا كانت صحيحة أو على طريقة سيد القمني .

مشكلة البحيري ، مثل مشكلة القمني ، وهو نسخة طبق الأصل منه أداء وسطحية ، أنها لا تتعلق بحرية الرأي فعليا وحرية التفكير الديني ، والذين يتضامنون معه هنا ليس تضامنهم مخلصا لحرية التعبير ، أو الحق في التعبير ، وإنما هو انحياز أيديولوجي نمطي ، مجرد أنه من الخندق الفكري الذي ينتمون إليه ، "ابن حارتنا" ، فهم يدافعون عن خندقهم وليس عن فضاء الحرية ، وهناك آلاف مثل البحيري ، ضحايا الحق في التعبير والتفكير الديني المستقل عن المؤسسة الرسمية ، ولكنهم في الخندق الآخر ، وليسوا على "الطبطاب" ، لذلك لم يدافعوا عنهم ولا تضامنوا معهم ، بل سخروا منهم واستهزأوا بهم وحرضوا عليهم أيضا ، ولعل واقعة العالم الأزهري الدكتور محمود شعبان شديدة الوضوح ، فقد كان له رأي ديني ، لم يعجب خصوم التيار الإسلامي ـ المتضامنين الآن مع بحيري ـ فحرضوا عليه ، ثم لما تم القبض عليه وسجنوه هللوا لذلك ودشنوا حفلات سخرية منه واستهزاء به وفركوا أيديهم سعادة بما قامت به نفس الأجهزة التي سجنت إسلام البحيري ، بل إن هناك آلاف الأئمة وعلماء الأزهر الذين تم عزلهم من وظائفهم وإلقائهم في الشارع وحبس بعضهم أيضا ، قربانا من وزير أوقاف السلطة لقيادته ، لأن لهم رأيا دينيا مختلفا عن رأي السلطة ومؤسستها الدينية الرسمية ، فلم يبك لهم أحد ، بل ظهرت أصوات تبارك "استنارة" وزير الأوقاف وشجاعته !، القضية إذن ، لا صلة لها بإيمان حقيقي بحرية الرأي وحرية التفكير الديني وحرية النقد ، بل مرتبطة بحرية أبناء "خندقي" وقمع الخنادق الأخرى ، حرية الرأي الديني لإسلام بحيري وليس لمحمود شعبان .

بعض من رفضوا سجن البحيري ، وأنا متضامن معهم في رفض سجنه ، استباحوا الأزهر مؤسسة ورموزا وتاريخا ، والبعض وصفه بأنه مؤسسة داعشية ، وتطاولوا على شيخه بأنه شيخ الدواعش ، وهذه كلها جرائم وليست اجتهادات فكر أو رأي ، هي سباب وشتائم وجرائم قذف ، والخلط بينها وبين حرية الرأي يضعف الموقف الأخلاقي المدافع عن حرية الرأي ، لأنه يقدمه كحرية البلطجة والسب والشتم وطعن الأعراض ، والمدهش أن بعض هؤلاء المتطاولين على الأزهر وشيخه ـ ومنهم مثقفون كبار ـ نددوا بموقفه الذي رفض فيه "تكفير" تنظيم داعش أو المنتسبين إليه ، وشنعوا عليه بأن شيخ الأزهر يرفض تفكير داعش ، وعيروه بأنه لا يكفر هؤلاء ، وتحولت الدعوة إلى "التكفير" فجأة إلى مطلب تنويري ، وأصبحت المفارقة أننا أمام "جماعة التكفير والتنوير" ، رغم أن هؤلاء أنفسهم هم الذين ملأوا الدنيا ضجيحا نقديا لدعوات التكفير ، ورغم أن الأزهر أوضح لهم أن رفضه تكفيرهم مسألة علمية ومنهجية وعقائدية ، ولا تعني التوقف عن مواجهتهم وقتالهم ودفع خطرهم بكل السبل ، إلا أن "جماعة التكفير والتنوير" ما زالوا مصرين على وجوب صدور فتوى من الأزهر "بتكفير" الشباب المؤيدين لداعش وإخراجهم من الملة !! ، وكانت تلك الحملة على الأزهر لأنه قدم تقريرا علميا أدان فيه ما يقوله إسلام بحيري ، وكأنه كان مطلوبا من الأزهر عندما عرض قطاع من الرأي العام عليه المسألة واشتكى له أن يمنح هذا الشاب ختمه ويبارك تشبيحه أو على الأقل يبتلع لسانه ويصمت ويخون أمانته العلمية ومسئوليته أمام ملايين المسلمين كمرجعية علمية ودينية هذا دورها تاريخيا واجتماعيا ودستوريا أيضا .

مواضيع تهمك ايضا


    Warning: mysql_fetch_array() expects parameter 1 to be resource, null given in /home2/x5x/public_html/art.php on line 485

مصدر الخبر : المصريون

اخبار متعلقة

اضف تعليق