المحتوى الرئيسى

مريم المير تكتب الأندلس وسر النهضة الأوروبية ساسة بوست

مريم المير تكتب: الأندلس وسر النهضة الأوروبية | ساسة بوست 12/31 10:13

منذ 12 دقيقة، 31 ديسمبر,2015

سقطت الأندلس ليخبو معها نور أضاء شبه الجزيرة الأيبيرية وانتشر شعاعه خارجها لثمانية قرون، ولولا عمران شاهد على تلك الحقبة ما ظن أحد أن الإسلام كان هناك على تلك القطعة من البسيطة، ولولا ما أنقذ من كتب لكانت السرقات العملية والأدبية أكثر بكثير.

سقطت الأندلس لتنهض أوروبا على أكتفاها من عصورها المظلمة، لم يكن الأمر محض صدفة أبدًا؛ فجل كتب الأندلسيين التي لم تحرق أو تتلف كان مصيرها خزانات الكنائس والأديرة، والمعلوم أنه قد تم حمل ثلاثمائة من كتب الآداب والعلوم – التي استثناها الكردينال خمنيس من الحرق – إلى الجامعة التي أنشأها في مدينة ألكالا دي هنارس (Alcalâ de Henares)، تسمى في الرواية العربية بقلعة عبد السلام أو قلعة النهر لوقوعها على نهر هنارس؛ أحد أفرع نهر التاجه(1).

“لقد تجلى تأثير العرب في جميع فروع الحضارة الأوروبية الحديثة، وظهرت بين القرن التاسع والقرن الخامس عشر آداب تعد من أعظم ما عرف، وتشهد الإنتاجات المتنوعة والاختراعات المهمة على ما كان يتصف به عرب ذلك الزمن من النشاط العجيب، وبما كان لهم من الأثر البالغ في أوروبا النصرانية، فجاء هذا مسوغًا للرأي القائل إن العرب كانوا أساتذة لنا، وما أتى به العرب من المواد التي لا تقدر بثمن عن تاريخ القرون الوسطى ومن كتب الرحلات ومعاجم تراجم الأحوال من ناحية، وما جاء به العرب من صناعة منقطعة النظير، ومن مبان دالة على تفكير عظيم وتنفيذ جسيم ومن اكتشافات مهمة في الفنون من ناحية أخرى، كلها أمور يجب أن ترفع في أعيننا شأن الأمة العربية التي ازدريناها زمنًا طويلاً”(2)، كانت هذه شهادة المستشرق الفرنسي لويس بيير أوجين (Louis Pierre, Eugène, Sèdillot Amèlie ) (1808 – 1875 م) في حق العلماء المسلمين إبان العصر الذهبي للأندلس، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على الرقي والتطور الذي ساد البلاد في تلك الفترة من الزمن وانتقال الحضارة بطريقة أو بأخرى لباقي الأرجاء من أوروبا النصرانية.

نقلت علوم الأقوام السابقين من الرومان والإغريق واليونان إلى الأندلس، وتمت ترجمتها إلى العربية من قبل العلماء الأندلسيين، اطلعوا عليها ودققوا فيها ثم طوروها واكتشفوا وأبدعوا ما لم يكن معروفـًا من قبلهم، وهكذا عرفت الأندلس تطورًا كبيرًا، وكان السر في انطلاق عديد من الابتكارات هو محاولة ترجمة آيات القرآن على أرض الواقع كما سنرى فيما سيأتي، ومنه سال مداد النور ليدخل كل بيت وتوضع قطراته في مختلف ميادين الحياة.

ظلت قرطبة عاصمة لمملكة العرب مدة 500 سنة، وكان سكانها يزيدون عن المليون نسمة؛ وكان بها البساتين النضرة والحدائق الغناء الممتدة مسافة عشرة أميال، ولها ضاحية تمتد 24 ميلاً، ويقال إنها كانت تحوي 60 ألف قصر، و200 ألف بيت و800 ألف متجر، و3800 مسجد، و700 حمام عام، ومع ما في هذه الأرقام من مبالغة، إلا أنها تعطينا صورة عن عظمة هذه المدينة التي كثرت فيها المكتبات، ومنها مكتبة الأمير التي كانت تحتوي 40 ألف مجلد، وقد طبقت شهرة جامعة قرطبة الآفاق، واكتظت قرطبة إلى جانب ذلك بالمدارس الابتدائية المجانية للفقراء، وقد كتب أحد المؤرخين يقول: “بينما كان معظم الناس في قرطبة يقرؤون ويكتبون، كان أهل أوروبا المسيحيون في جهل مطبق، اللهم رجال الدين منهم، ولم ينج من هذا الجهل حتى أعلى الطبقات الأوروبية”.

هكذا كان الحال في قرطبة العظيمة، وطارت شهرتها في أرجاء أوروبا حتى سماها الكتاب الألمان بزينة الدنيا، وقد أم جامعتها الطلاب من جميع أنحاء الدنيا، وشعت منها الفلسفة العربية حتى وصلت جامعات أوروبا الكبرى”(3)

ولم يبدأ إنشاء المدارس في فرنسا سوى في القرن الحادي عشر، كان يشرف عليها ويقودها في ذلك الحين من تعلموا على أيدي المسلمين في الأندلس أو في صقلية، وكانت أشهر هذه المدارس مدرسة ريمس، التي أنشئت بأمر البابا سلفستر الثاني، وهو البابا الذي تعلم في جامعة قرطبة، بل نزل إلى الشمال الإفريقي فتعلم كذلك في جامع القرويين بالمغرب.(4)

يحكى أنه بينما كان يجلس، ذات يوم فلكيان عربيان في باحة الجامع وأمامهما كتاب “المجسطي” – ما يعد أكبر تحقيق علمي في الفلك- مرت بهما جماعة من علماء الدين، فتوقفت مستفهمة عن النبع الذي منه يرتوون. فأجاب أحدهم: إننا نقرأ شرح الآية التالية: “أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت..” (سورة الغاشية)

وهكذا فإن لعلم الفلك لدى المسلم معنى “دينيًا” عميقـًا، وكما قال أحد كبار فلكيي العرب، البتاني( 850 – 929)، فإن “علم النجوم هو علم يتوجب على كل امرئ أن يعلمه، كما يجب على المؤمن أن يلم بأمور الدين وقوانينه لأن علم الفلك يوصل إلى برهان وحدة الله وإلى معرفة عظمته الهائلة وحكمته السامية وقوته الكبرى وكمال خلقه”.(5)

بهذا اهتم العرب اهتمامًا بالغًا بالآلات الفلكية، وما ورثوه عن اليونان كان بدائيًا وأعجز من أن يساندهم في سباقهم نحو الأمجاد التي رسموها لأنفسهم، فكان أن طوروها وزادوا عليها أشياء عديدة وقدموا اختراعات أخرى تشبه المعجزات، مبتكرين بذلك آلات مختلفة للمراقبة والقياسات، أخذها الغرب عنهم وبقي على استعماله لها أمدًا طويلاً.(6)

ومن بين الأسماء البارزة في هذا المجال نجد العالم أبا القاسم مسلمة المجريطي (338هـ/950م) الذي اختصر جداول البتاني الفلكية ونقلها مع كثير من العلوم من المشرق العربي إلى بلاد الأندلس، حيث بقِيَت من أهَمِّ مصادر المعرفة هناك، ووُجدَت لها مسارب ومنافذ عبَرَها إلى أوروبا عصر النهضة بعد أن تُرجمت إلى اللغة اللاتينية؛ لذلك نجد رسالته عن الإسطرلاب يترجمها جون هبالينيس إلى اللاتينية، وكذلك تعليقه على إنتاج بطليموس، يترجمه رودلف أوف برجس إلى اللاتينية، إضافة إلى كتاب “الحساب التجاري” يقول عنه سيد حسين نصر في كتابه “العلوم والحضارة في الإسلام”: “عُرِفَ المجريطي عند الأوربيين بأنه أوَّل من علَّق على الخريطة الفلكية لبطليموس ورسائل إخوان الصفا والجداول الفلكية لمحمد بن موسى الخوارزمي من علماء العرب والمسلمين في الأندلس، كان له شهرة عظيمة في الرياضيات والفلك، إضافة إلى ما ناله من احترام وتقدير لمجهوداته الجيدة في علم الكيمياء”.(7)

كان المسلمون أول من أنشأ مخازن الأدوية والصيدليات، وعلى يدهم أنشئت أول مدرسة للصيدلة، ولا يكاد الطب الحديث يزيد شيئًا على ما وصفوه من العلاج للجدري والحصبة(8)، وكانت قرطبة في ذلك الوقت المدينة التي يلجأ لها الأوروبيون لتجرى لهم العمليات الجراحية(9)، وعد الجراح الأندلسي الكبير أبو القاسم الزهراوي (- 1013) رائدًا ليس في علم الجراحة فقط وإنما في مداواة الجروح وفي تفتيت الحصاة داخل المثانة، وفي التشريح وإجراء العمليات، وقبل برسيفال بوت (Percival Pott) (1714- 1788) بثمانمائة سنة اهتم الزهراوي أيضًا بالتهاب المفاصل وبالسل في خرزات الظهر (فقرات)، الذي سمي فيما بعد باسم الإنجليزي بوت، بالداء البوتي، كما أنه أول من أوصى بولادة الحوض (Steissgeburt) التي كان يمتنع دومًا عنها سورانوس (Soranus) وسابقوه، وهي الولادة المسماة حديثـًا باسم الأستاذ الشتوتغرتي (نسبة إلى مدينة Stuttgart) في أمراض النساء فالشرWalcher .

ونجح أبو القاسم في عملية شق القصبة الهوائية (تراكيوتومي) وقد أجرى هذه العملية على خادمة، ووفق أيضًا في إيقاف نزيف الدم بربط الشرايين الكبيرة، محسنًا بذلك عملياته الجراحية ومسهلاً بضع الأعضاء، وهو فتح علمي كبير ادعى تحقيقه لأول مرة الجراح الفرنسي الشهير امبرواز باري (Ambroise Paré) عام 1552، في حين أن أبا القاسم قد حققه وعلمه قبل ذلك ب 600 سنة.(10)

والجدير بالذكر أن كتابه “التصريف لمن عجز عن التأليف” المكون من ثلاثين مجلدًا، بسبب تعقيده ورفعته استغرق المترجمون الأوروبيون 300سنة حتى يفصلوه ومن ثم يترجموه إلى اللاتينية واللغات الأوروبية.(11)

مثل النشاط اللغوي في التجربة العربية القديمة مظهرًا مهمًا من مظاهر ارتباط التطور الفكري بتطور الخطاب اللغوي بين ميدان المعرفة ونظام اللغة. ولما كان التطور الفكري والحضاري في العربية قد قام على الاستفادة من تجارب الشعوب التي انتظمتها الحضارة الإسلامية بأبعادها الثقافية المتنوعة، فإن تطور العربية لم يكن كذلك ضربًا من النمو الذاتي التلقائي، بل كان أيضًا شكلاً فنيًا قائمًا على توسيع متعمد لبنية العربية قصد استيعاب نشاط اجتماعي ثقافي، وإنتاج فكري علمي وأدبي.(12)

وبقيت اللغة العربية محتفظة بمكانتها الرفيعة عند النصارى، كلغة علم وحضارة لأكثر من مئتين وخمسين سنة بعد سقوط طليطلة بأيدي النصارى في سنة (478 هـ – 1085م)، فقد استمر استخدام اللغة العربية من قبل من كانوا في السابق رعايا الدولة الإسلامية في الأندلس من المستعربين والمدجنين في إسبانيا النصرانية، فاستخدموا العربية في تحرير عقود الزواج وفي مستندات الملكيات للأراضي وغيرها من المصالح العامة، مما أدى إلى دخول الكثير من المصطلحات العربية في اللغة الإسبانية(13)، واللغة هي خير برهان للتطور الذي وصله أهلها، فهناك آلاف المفردات العربية في اللغة الإسبانية والبرتغالية، وهذا انعكاس لحاجات وضرورات ملحة؛ فقد حدث نفس الشيء بالنسبة للغة اللاتينية في اتخاذها الكثير من المفردات العربية في لغة الأدب واللغة الدارجة.(14)

لقد أثرت الترجمات الضخمة للتراث العربي الإسلامي في معظم مدارس البحث العلمي الإسبانية للتراث العلمي العربي على الفكر الأوروبي، فكانت سببًا في دفع عجلة التقدم والازدهار العلمي الأوروبي ولم تكن باستطاعة أوروبا التقدم بمسيرة حضارية إنسانية إلا بعد أن عكفت على ترجمتها للعلوم من العربية إلى اللاتينية قرونـًا من الزمن.(15) وقام الأساقفة والرهبان والنبلاء بجهود مادية وعلمية في تشجيع حركة الترجمة للمؤلفات العربية العلمية، كما لم يكن باستطاعة النصارى الحصول على مؤلفات الإغريق وفلاسفتهم إلا عن طريق العرب المسلمين ونقولهم، واستمر الحال على ذلك بضع قرون، وبفضل العرب تمكن النصارى من الاطلاع على مؤلفات بطليموس وأرسطو وغيرهم، فانكشف اتساع آفاق هذه المعارف لا سيما أن المؤلفات اليونانية وصلت إليهم مشروحة ومعلقًا عليها ومضافًا إليها معارف جديدة، أكسبها العرب ثمرة الازدهار الكبير الذي شهدته الثقافة العربية الإسلامية.(16)

ظهرت الترجمة للتراث العربي في مدرسة طليطلة (Toledo) قبل غيرها من مدن الأندلس بصورة فعالة ونشطة؛ بمرحلة من اللغة العربية إلى اللغة اللاتينية، ومرحلة من اللغة العربية إلى اللغة الإسبانية مباشرة، وتولى أسقف المدينة ريموند Raimendo (1126 – 1152 م)، وكبير مستشاري ملوك قشتالة مدرسة نظامية للترجمة، واعتمد فيها على يهودي متنصر يدعى يحيى بن دريد الإشبيلي وراهب يدعى دومنكو كونديسلفي (Domingo Gondislave)، كلف هذين الأخيرين بنقل الكتب العربية في الرياضيات والفلك والفلسفة، وكان يحيى الإشبيلي يحسن اللغة العربية والقشتالية، ينقل من العربية إلى القشتالية، ويقوم كونديسلفي مباشرة بترجمتها من القشتالية إلى اللاتينية، وهكذا ذاعت شهرة مدرسة طليطلة للترجمة ووصلت أصداؤها إلى أنحاء أوروبا ليهرع إليها نفر كبير من الدول الأوروبية وتفتح الباب على مصراعيها أمامهم لينهلوا مما جاد به أطباء وعلماء وفلاسفة الأندلس من كنوز علمية أثرت بنهضة أوروبا كثيرًا.(17)

تميز الفن الإسلامي بصفة تجريدية و كان سببا في بروز الاتجاه الهندسي في زخارفه، كما ساده بوجه عام ميل إلى الابتعاد عن تصوير الكائنات الحية. فعمد الفنان المسلم إلى تحوير التماثيل. وقد حوت قصور الخلفاء والأمراء على كثير من شواهد الفنون الهندسية والتماثيل كنافورة بهو السباع بقصر الحمراء وتصاوير قاعة القضاء وقصر البرطل من قصور الحمراء. وبعض النقوش المحفورة في أحواض الرخام وعلب العاج وبعض التحف المصنوعة من المعادن.

وقد تفنن الأندلسيون كذلك بصناعة السيوف الثمينة والتروس والرماح والسروج والدروع، وكان الأمراء والسلاطين يهدون بعض هذه السيوف إلى ملوك المسيحية. ويميزها أن مقبضها كان يزين بالذهب والأحجار الكريمة. وقد أهدى أبو الحجاج يوسف سنة 1409م سيوفـًا من الفضة الخالصة إلى دون خوان الثاني والأمير دون إنريكي(18)

لقد استمرت المؤثرات العربية الإسلامية في الأندلس بعد خروج العرب من الأندلس، فبعد تحويل المساجد إلى كنائس، بنيت كنائس جديدة تقليدًا للفن المعماري الأندلسي، وظهر تأثير العرب في نقش الكتابات على جدران المباني العامة وكتابة الخطوط ووضعها على الأبواب. وقد استعان بعض ملوك الإسبان بالبنائين العرب لعمارة قصورهم وهناك كثير من المهندسين الإيطاليين الذين زاروا الأندلس وتأثروا بالفن المعماري الإسلامي فنقلوا مؤثراته وملامحه إلى إيطاليا، رغم تطور فن البناء هناك، وقد كان للتجار أثرهم البالغ في نقل معالم الحضارة العربية الأندلسية إلى بقية دول أوروبا عدا إيطاليا.

لقد جاء العرب إلى بلادهم بشجرة البرتقال من الهند في وقت ما خلال القرن العاشر الميلادي، وأدخلوها في بلاد الشام، و آسيا الصغرى وفلسطين، ومصر، وإسبانيا ومنها انتقلت إلى جميع أنحاء أوروبا الجنوبية، كذلك نقل العرب زراعة قصب السكر وصناعة السكر نفسه وتكريره من الهند، ونشروهما في جميع أنحاء الشرق الأدنى، ومن تلك البلاد نقلها الصليبيون إلى أوطانهم، وكان العرب أول من زرع القطن في أوروبا، وقد استطاعوا إنتاج هذه المحاصيل من أرضين (أراضي) معظمها جدب قاحل بفضل وسائل الري المنظم.(19)

ومازالت الآثار الباقية حتى الآن في وديان الأندلس من القناطر والجداول الدارسة تشهد على نبوغ مسلمي الأندلس في تنظيم وسائل الري والصرف، واستجلاب الماء وتوزيعه بالطرق الفنية.

ويعتبر كتاب “الفلاحة الأندلسية” لأبي زكريا محمد بن العوام الإشبيلي من أشهر ما كتب في هذا العلم، وقد ترجم في القرن الماضي إلى الإسبانية والفرنسية وقال عنه “أنطوان باسي” في تقرير قدمه سنة 1859 إلى الوطنية الزراعية الفرنسية أنه موسوعة تامة تفرد بها القرن الثاني عشر الميلادي، ويقع كتاب الفلاحة لابن العوام في أربعة وثلاثين فصلاً؛ تبحث الفصول الثلاثون الأولى منها الفلاحة بينما تبحث الفصول الأربعة الأخيرة في تربية الماشية، وأكد ابن العوام أنه لم يثبت في كتابه إلا ما جربه مرارًا فصح، كما ذكر المصادر والمراجع التي استسقى منها.(20)

كان للأندلسيين الباع الطويل في الصناعة أيضًا، فصناعة الجلد والملف والحرير كانت تزخر بها أسواق طليطلة وكوينكا، وثيوداد ريال وسيكوفيا، وغرناطة، وقرطبة، وإشبيلية وبايثا، وكذا أمكنة أخرى، فكانت هذه المدن تمون بمنتوجاتها كل أسواق أوروبا تقريبًا، فكانت برشلونة تبعث بحريرياتها إلى صقلية بل إلى مصر، وكانت ترسل في مراكبهم البحرية الخاصة، وكذا كان يصدر الزرع والملح والنبيذ والأبازير والخشب والحديد والقصدير والرصاص إلى دول أجنبية وخاصة من الشواطئ الشرقية، أما كوينكا وقرطبة فكانتا تصدران الملف والحرير المصنوع وغير المصنوع، وكذا كان يصدر بغرناطة الورق، وبطليطلة كانت صناعة الجلد المطرز بالحرير والذهب والفضة بلغ غايته في الإتقان، وكان يصدر من ميناء بلنسية ولشبونة الأبازير بأنواعها.

كما كانت حدائق برغوس وبلد الوليد ومدينة الكامبو مدنًا خاصة بالمعارض والأسواق للمنتوجات كلها، فكانت المعاملة فيها بالنقود وقطع الذهب والفضة وقسم كبير من الحوالات، ويقال إنه قد وصل ما روج في بعض المعارض من الأموال ما قدره 530 ألف مليون مرابيديس (Moravides) فلم تكن هذه المعارض للأندلس فقط بل كانت دولية، فكنت تجد فيها السلاهيم والبسط وبعض منتوجات من سوريا والمغرب، وكانت تأتي أيضًا من فرنسا أشياء خاصة بالخياطة، ويقول بعض المؤرخين: “إن معرض مدينة الكامبو كانت له شهرة عالمية وكان يعقد مرتين في السنة”(21)

هل انتهى حقًا العصر الذهبي؟

وهكذا كانت الأندلس أرقى دولة في العالم بفضل سكانها الأندلسيين، والشاهد على هذا قول كامبو مانيس الشهير: “إن نقطتي الانحلال والانحطاط في اقتصادنا يمكن تحديدها في عام 1609م عندما ابتدأنا بطرد الموريسكيين، وكذلك ابتدأ هبوط الصناعة”(22) وبسبب مرسوم فيليب الثالث خرج عدد كبير من الصناع والزراع الذين ذهب برحيلهم فن الصناعة والتجارة والزراعة وغيرها كثير مما سنراها في الجزء الثاني.

لم تدم المملكة الإسبانية طويلاً، حثت الخطى مولية الأعقاب بعد طرد أبنائها المورسيكيين، توقفت عجلة التطور والرقي بها، لتغرق في أزمات في مختلف الميادين، وفيما كانت إسبانيا تتخبط محاولة سد الفراغ المهول في اليد العاملة والعقول المفكرة، كانت أوروبا تنهل من قبس وصل لها حاملاً علومًا وثقافة قل نظيرها، وبهذا لم يمض وقت على إعلان سقوط الأندلس حتى أعلنت بداية عصر الأنوار في باقي أركان أوروبا.

([1])  دولة الإسلام في الأندلس، د. عبد الله عنان – العصر الرابع، نهاية الأندلس و تاريخ العرب المتنصرين – ص 314.

([2])  سيديو: تاريخ العرب العام، ص 425  Louis Pierre, Eugène, Sèdillot Amèlie : Histoire des Arabes , P :

([3])  جواهر لال نهرو: لمحات من تاريخ العالم ، ص 45-46.

([4])  د. راغب السرجاني: و شهد شاهد من أهلها، ص 128.

([5])  زيغريد: شمس العرب تسطع على الغرب، ص 134.

([6])   المصدر السابق، ص 130.

([7])  من مقال للدكتور بركات محمد مراد ” المجريطي بين الكيمياء وعلم الفلك “ بمجلة حراء العدد 41.

([8])  ول ديورانت : قصة الحضارة 13/189.

([10])  زيغريد: شمس العرب تسطع على الغرب، ص 278.

مصدر الخبر : ساسة بوست

اخبار متعلقة

اضف تعليق