المحتوى الرئيسى

كيف تجلت أسطورة الخصام

كيف تجلت أسطورة "الخصام"؟ 12/31 10:47

في صباح مشمس كان صديقي حسين يسير رفقة صغيره يوم إجازته من الحضانة، واعدا إياه بتلبية كل طلباته، وبينما يسيران في مرح قطع بائع جوال الطريق العام بعربته الكارو، وهو يصيح بصوت جهوري عن روعة بضاعته "بلح زغلول" صاحب اللون الأحمر القاني، كان الطفل يجذب قدم والده ليلفت نظره بأن تلك الفاكهة أولى طلباته، راح حسين ينقل نظراته المتوجسة بين صغيره والعربة وما عليها، يقدم قدما وتتسمر الأخرى، يتصبب عرقا وترتعش أوصاله وهو يتساءل في حيرة: "هو البلح ده حقيقي ولا مغشوش؟".

منذ فترة يعيش صديقي حالة تشكك دائمة من كل ما يجري بالبلاد، يتذكر جاره تاجر الفاكهة ضخم الجثة، الذي أخبره في لحظة نقاء خلال جلوسهم داخل سرادق عزاء بشارعهم الضيق بحي المطرية أن الدنيا لم تعد كما كانت، والخير قلت بركته، يدلف بالحديث عن طبع النسوة المتقلب، وحسين يطأطأ رأسه بشكل رتيب بين كلمات صاحبنا وصوت المقرئ، قبل أن ينتبه لوهلة حين سمعه يهمس بأن معظم ألوان الفاكهة الزاهية "خادعة"؛ فهي إما مطلية بزيت مغلي أو منقوعة في ألوان صناعية وربما "كركدية"، وأحيانا يصل الأمر إلى صبغها بورنيش الأحذية.

التشكك صار مرضا يلازمه، لم يعد لديه ثقة بأحد، خاصم الجميع؛ الحاكم وتجار الفاكهة، مجلس الشعب المزيف، والفضائيات المضللة، المدرس الذي انتهى عن الشرح إلا مقابل درس خصوصي، وشركة الكهرباء التي تحاسبه عن أجهزة لا يملكها.. القصة تعود إلى العام 2003، لم يكن حسين سوى شاب على أعتاب عامه العشرين، يعمل في إحدى السينمات، سهيَر ليالي، لا تعنيه الدنيا، يقطع العمل لتأدية خدمته العسكرية ويعاوده في الإجازات الشهرية، حسن المظهر، يلفت أنظار بنات الحي، حظه العثر ألقاه في منطقة تضم بعض من قرروا الجهاد لنُصرة العراق، والأسوأ أنه صلى في مرة صدفة بمسجد يضمهم، فكان مصيره 4 سنوات وبضع شهور في غياهب السجن.

يجوب المعتقلات رغم إنه على قوة الجيش، ذاق كل صنوف العذاب؛ ضرب، صعق، تجريد من ملابس، التعليق كالذبيحة. 100 يوم لا يعرف أهله عنه شيئا، يحكي وابتسامة مُرة على وجهه "كان الظابط يقولي أنا بعذبك للعذاب"، 50 شهرًا أُلصقت بحسين كل التُهم، تارة هو سلفي، وأخرى جهادي، وثالثة تكفيري، ومرات "بندورلك على حاجة"، مرة وحيدة عُرض على النيابة، فيما كان الحبس يُجدد من قِبل الشرطة تلقائيا، أمضى سنوات محبسه وتلاها ثمانية أشهر عقوبة من السجن الحربي لتهربه من خدمة الوطن.. على باب عمله المؤقت يفضفض حسين لرفاقه بعيون معبأة بالدمع، بأنه قرر منذ فترة العيش كنملة تأكل ما يأتيها دون اعتراض، حتى الثورة التي شارك فيها متوجسا لم تعد موجودة، محاها من الذاكرة كما تنمحي المصبوغات الصناعية -من جلد الفاكهة المغشوشة- بالماء.

يُخاصم المواطن الدولة، حين تُصبح خِصما له، وقتما تقتطع حقوقه، تجادله في أبجديات المعيشة، تُعاديه، تقصف أحلامه، تنزع عنه وقاره، تجبره على الوقوف في ساحات القضاء من أجل تيشيرت يرتديه صغير أو ورقة ممهورة بكلمات خلط فيها الحبر بين كلمتي الوطن والتعذيب.

كانت قصة حسين قبل أكثر من 10 أعوام، فيما قامت ثورة، وفي رواية ثورتين، بينما رصدت حملة "أوقفوا الاختفاء القسري" –أطلقتها التنسيقية المصرية للحقوق والحريات- 1411 شخصا تعرض للإخفاء منذ يناير حتى 30 أكتوبر المنصرم.. وأعلن المجلس القومي لحقوق الإنسان –جهة حكومية- في يونيو الماضي عن 101 حالة اختفاء قسري.

تنص المادة 54 من الدستور المصري –بتأييد 98%- على أن "الحرية الشخصية حق طبيعي، وهى مصونة لا تُمس، وفيما عدا حالة التلبس، لا يجوز القبض على أحد، أو تفتيشه، أو حبسه، أو تقييد حريته بأي قيد إلا بأمر قضائي مسبب يستلزمه التحقيق، ويجب أن يُبلغ فوراً كل من تقيد حريته بأسباب ذلك، ويحاط بحقوقه كتابة، ويُمكٌن من الاتصال بذويه وبمحاميه فورا، وأن يقدم إلى سلطة التحقيق خلال أربع وعشرين ساعة من وقت تقييد حريته".

بينما ترد الداخلية على الأمر بأنه "لا توجد حالات اختفاء"، ويعلق مصطفى بكري: "أجندات تمهد لاحتقان في البلد"، ويرد الرئيس السيسي على محاوره في البي بي سي بشأن القضية قبل شهرين "كل الإجراءات قانونية وبإذن قضائي.. لازم نخلي بالنا إن فيه ناس بتهرب وتروح تنضم لداعش في سوريا وتخرج عبر الحدود ولو إحنا شفناها هنرجعها تاني، وفيه ناس بتخرج للانضمام عبر ليبيا وسوريا، ده أمر مش قادرين نحكمه".

أحمد سعيد جراح مصري في فرانكفورت جملته الأثيرة "أنا سفير بلدي في ألمانيا"، مشهور بنبوغه وتميزه، في إجازته الأخيرة شارك في وقفة صامتة لإحياء ذكرى أحداث محمد محمود، تلك التي عايشها كطبيب بالمستشفى الميداني قبل أربعة أعوام، اقتادوه إلى قسم شرطة عابدين أثناء جلوسه على مقهى بعد انتهاء الوقفة، أعلن إضرابه الجزئي اعتراضا على تعرضه للتعذيب، تقرر حبسه عامين بتهم تكدير السلم العام وقطع الطريق وتعطيل المرور، دخل إضرابه الكلي دون السماح بدخول أدوية له، أو زيارات قانونية -إسبوعيا، تنهار أمه حسرة، يناشد الحقوقيون القضاء، يلقى تضامن الأطباء في مصر والنقابات والصحف والإذاعات الأجنبية، فيما تراه الدولة غاصبا يستحق التأديب.

ألم أبن خمسين سجنا جديدا لأحمى اللغة

من الحشرات ومن كل فكر قلق

ألم أخلط الطبقات لألغي نظام التقاليد

ومن يستطيع الرجوع إلى شجر العائلة

ومن يستطيع الحنين إلى زهر ذابلة

ومن يستطيع التذكر دون الرجوع إلى

مصدر الخبر : مصراوي

اخبار متعلقة

اضف تعليق