المحتوى الرئيسى

تامر وجيه يكتب تغيير العالم توماس بيكيتي ودونالد ترامب وأبو بكر البغدادي

تامر وجيه يكتب: تغيير العالم.. توماس بيكيتي ودونالد ترامب وأبو بكر البغدادي 12/31 10:16

في ليلة ميلاد السيد المسيح (24 ديسمبر 2015)، زفّ إلينا البنك الدولي الخبر السعيد التالي: “من المُتوقَّع أن ينخفض سكان العالم الذين يعيشون في فقر مدقع إلى مستوى تاريخي ليصبح 9.6 في المائة عام 2015 بعد أن كان 37.1 في المائة عام 1990. وتُظهر تقديرات جديدة أن 702 مليون شخص يعيشون تحت خط الفقر العالمي المُعدَّل البالغ 1.90 دولار يوميا، وأن أغلبهم يعيشون في أفريقيا جنوب الصحراء وجنوب آسيا. وأشاد رئيس مجموعة البنك الدولي جيم يونج كيم بهذا الإنجاز بوصفه “أفضل خبر في العالم اليوم”. فهو يُمثِّل تقدما حقيقيا على الطريق نحو إنهاء الفقر المدقع بحلول عام 2030.”

قبل ذلك بنحو عامين ونصف (أغسطس 2013)، ظهرت في الأسواق الطبعة الفرنسية الأولى من كتاب “رأس المال في القرن الحادي والعشرين” للاقتصادي الفرنسي توماس بيكيتي (منشورات سويّ). حقق الكتاب نجاحا مدويا، بالذات بعد نشر ترجمته الإنجليزية في مايو 2014، حيث بيعت منه ملايين النسخ بلغات عدة، وتصدر قائمة نيويورك تايمز للكتب  الأكثر مبيعا، وخصه بالمديح اقتصاديون كبار مثل بول كروجمان الحائز على نوبل في الاقتصاد. الرسالة الأساسية لكتاب بيكيتي هي أن عدم المساواة الاقتصادية تعدّ كارثة العصر التي تهدد استقرار الديمقراطية التمثيلية، وهي وإن كانت سمة أصيلة في النظام الرأسمالي، إلا أنها تتزايد بشكل مخيف منذ انهار نظام بريتون وودز في صيف 1971، وما لحق ذلك من صعود للريجانية والتاتشرية في 1979-1981.

هل نفرح مع البنك الدولي أم ندق ناقوس الخطر مع توماس بيكيتي؟ لن نتفق أبدًا على إجابة لهذا السؤال. إذ يتعلق الأمر بمفاهيمنا، المتناقضة حتمًا، للمجتمع الأمثل، أو بشكل أدق، للمجتمع الأمثل الممكن تحقيقه واقعيًا. فمثلًا، كلٌ من البنك الدولي وبيكيتي يقبلان الرأسمالية، لكن البنك يعلق آماله على مكافحة الفقر ويضع هذا الهدف كأولوية تسبق، إن لم تكن تحجب، هدف تحقيق العدالة، بينما ينشغل بيكيتي بعدالة التوزيع التي قد يراها اقتصاديون، يمينيون، آخرون توزيعًا للفقر ومكافأة للكسل، بينما يراها هو خطرًا كبيرًا على الدولة التدخل بفاعلية لمواجهته.

إن لم نعترف أن هناك سؤال معياري (قيمي) يتعلق بأهدافنا الكبرى ونظرتنا للمستقبل الأفضل الذي تستحقه البشرية يسبق السؤال الإجرائي المتعلق بوسائل خفض الفقر أو تضييق فجوة الثروة والدخل، فإننا سندور في حلقات مفرغة من الجدال الرنانّ لكن الأجوف كالطبل. هنا يتجاوز الأمر البنك الدولي وبيكيتي، والرأسمالية، ليدخل عالم الفلسفة السياسية وفلسفة الأخلاق.

ربما سيتفق كثيرون، من اليمين واليسار معا، أن عالمنا المعاصر مريض إلى أبعد الحدود. فحتى الذين يهللون لانخفاض معدلات الفقر المدقع، لن يمكنهم أن يغضوا الطرف عن أن معدلات اللايقين والكراهية يتزايدون بشكل مذهل. فيما يتعلق باللايقين، إليك هذا المثال. في تقريرها السنوي الرئيسي الأخير (2015) ذكرت منظمة العمل الدولية أن “ثلاثة أرباع قوة العمل في العالم تفتقر إلى علاقات عمل مستقرة، بين من يعملون بعقود مؤقتة أو قصيرة الأجل، ومن يعملون في القطاع غير الرسمي بدون عقود على الأغلب، ومن يعملون لدى أنفسهم في وظائف هامشية، ومن يعملون بلا أجر في القطاع العائلي”. ما معنى هذا؟ معناه  أن ثلاثة أرباع المعيلين في العالم – من يتحملون عبء إعاشة الأطفال والعجائز والمعاقين والعاطلين، وأنفسهم طبعًا – يخشون غدهم، أي ليس لديهم يقين إن كانوا سيتمكنون من توفير خبز الكفاف على موائدهم مع شروق شمس اليوم الجديد أم لا. هذا ألم لو تعلمون كبير، ألم يأكل الأرواح ويذل أعناق البشر.

أما عن الكراهية، فحدث ولا حرج. كان صلاح عبد الصبور قد طرح سؤالًا لم يجد إجابة حتى اليوم: “كيف ترعرع في وادينا الطيب هذا القدر من السفلة والأوغاد؟” على منوال عبد الصبور اسأل: “كيف ترعرع في عالمنا هذا القدر من الكارهين للآخر؟” كم مسلم يتوجس من المسيحي؟ كم مسيحي يخاف من المسلم؟ كم غربي يكره الشرق أوسطي؟ كم هندوسي يكره السيخي؟ كم شيعي يكره السني؟ كم أبيض يكره الأسود؟ وهكذا بلا توقف. الكراهية أصبحت ديدن عالمنا. البلايين يكرهون ويخافون ويحتقرون: المثلي يخشى المستقيم، الأسود يرتعد من الأبيض، العلماني في مقابل المتدين، الرجل في مواجهة المرأة؛ متوالية من الثنائيات التي تتوالد وتنتشر. والنتيجة: القتل والأسوار العالية! فمن يكره ويحتقر يقتل أو يسعى للقتل، ومن يرتعد يحيط نفسه بالأسوار العالية. أوروبا الموحدة أصبحت قلعة محصنة يتغذى فيها الرعب على الكراهية، الشرق الأوسط أصبح ساحة مستباحة للدم المراق بلا ثمن، وخطاب الكراهية يتصاعد ويعشش في كل الأركان والزوايا.

عودة إلى سؤالنا المعياري. مثّل صعود المحافظين الجدد في الولايات المتحدة واليمين المتطرف (الفاشي) في أوروبا إجابة محددة على سؤال العصر الاجتماعي/الأخلاقي، إجابة حظيت بجاذبية متزايدة على مدى الخمسة عشر عامًا الأخيرة – منذ سقوط وعود فرانسيس فوكوياما بنهاية سعيدة للتاريخ في وحل “غزوة نيويورك” في الحادي عشر من سبتمبر 2011. الإجابة بسيطة وجوهرها أن الدم يأتي قبل الاحتواء. فإن كانت ليبرالية بيل كلينتون أعطت انطباعًا زائفًا بأن عالم ما بعد انهيار الكتلة الشرقية (1989-1991) وحرب الخليج الأولى (1991) يمكن أن يُبنى على أساس الاحتواء كطريق للهيمنة، فإن جورج بوش الابن عدّل البوصلة ناحية الدم. فهناك مملكة للشر لابد من هزيمتها بالقوة، وحين سنهزمها سنسود (we will prevail) ، فنعيد تشكيل العالم بحيث يصبح لنا، بعد أن تخلصنا من “الآخر”، عندئذ ستتدفق الأموال بحرية تامة في أسواق مفتوحة تتيح للأثرياء أن يثروا أكثر، فيعم الخير على الجميع. ولو تأخر الخير قليلًا، لأن الأسواق تلكأت في تلبية وعودها بعض الشيء، فدائمًا هناك القنبلة للتأديب والبنك الدولي وقلوب الأثرياء المحبة للخير لإنقاذ من تهرسهم المسيرة الظافرة.

في المقابل، تمثّل الإصلاحية الجديدة إجابة أخرى، مختلفة، بدأت أصداؤها تتردد بقوة مؤخرًا. جوزيف ستيجليتز وبول كروجمان وهرناندو دي سوتو وها جون تشانج، وكذلك توماس بيكيتي، على اختلافاتهم الكبيرة في المنهج والسياسات المقترحة، اقتصاديون ينتقدون السياسات الاقتصادية اليمينية السائدة، المتمثلة فيما يطلق عليه “إجماع واشنطن”، ويطرحون بدائل تقوم على تدخل أكبر للدولة، في صورة منظومات ضرائب تصاعدية أوسع نطاقًا، وسياسات مالية شبه كينزية، واهتمام خاص بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وضرائب على انتقال رؤوس الأموال. الإجابة التي يقدمها هؤلاء على السؤال المعياري الكامن وراء كل الإجراءات هي أن هناك مجال لإصلاح الرأسمالية بشكل جوهري: لم تنفد إمكانيات الرأسمالية بعد، أو الأدق لن تنفد أبدًا، وما نحتاجه هو إصلاح مسارها وليس القضاء عليها، وهذا ممكن فقط لو اعترفنا أنها لا تنصلح من تلقاء ذاتها، وإنما تحتاج يد السوق الخفية إلى يد الدولة القوية ليستطيعا معًا أن يحققا الرفاهة للإنسان.

الإجابة الإصلاحية الجديدة تهيمن، إلى حد بعيد، وبطرق مختلفة، على تجارب بناء البدائل في العالم المعاصر. هكذا كان الحال مثلًا في حركة أتاك (ATTAC) التي لعبت دورًا رائدًا في بناء حركة مناهضة العولمة خلال العقد الأول من الألفية الجديدة، وكذلك في تجربة التنمية البرازيلية في سنوات الحكم الأولى للولا دي سيلفا، وفي تجربة سيريزا اليونانية قبل انهيارها المبكر أمام الجبروت الأوروبي، وغيرها. الرأسمالية المهذبة هي الحلم، حيث لا تتعارض الأسواق مع العدالة، وحيث تستعاد دولة الرفاهة في عالم يقبل منظومة الأرباح، لكنه يرفض جموحها.

مصدر الخبر : 18زائد

اخبار متعلقة

اضف تعليق