المحتوى الرئيسى

لما اللي منك يجرحك طب قولي مين هيفرحك

لما اللي منك يجرحك.. طب قولي مين هيفرحك 03/27 08:20

بالرغم من أن ولادتي لطفلة ثالثة في عمر كبير نسبيًا مثل الرابعة والثلاثين كان مرهقًا جسديًا ونفسيًا بالنسبة لي، لكن في الحقيقة هناك مجموعة مشاعر مختلطة تحدث في هذا العمر لم أختبرها من قبل.

كنت أظن أن طاقتي نفدت وأعصابي أصبحت أقل احتمالاً لكن الحقيقة التي اكتشفتها أني مع طفلتي الثالثة أصبحت أمًا أكثر خبرة بنفسية الأطفال والطرق المناسبة للتعامل معهم، كما أن مراقبتي لتعاملتهم معًا أعطتني صورة خارجية أراقبها عن بُعد لطريقة تعاملي معهم، الأمر الذي لم أكن أتخيله، إنه بالرغم من المجهود والإرهاق النفسي والبدني لكني أصبحت أكثر تفهمًا لأخطائهم وأكثر اتساقًا معها.

لم أعد تلك الأم المتلهفة لملء لوحة الإنجازت الخاصة بأبنائها، على العكس لم أعد أهتم إلا بأن أراهم سعداء مبتسمين تمتلئ قلوبهم بالحب بعضهم لبعض. لاحظت من مدة أن ابنتي الكبرى تهدد أختها كلما أخطأت "هقول لماما، هشيل منك اللعبة، مش هكلمك تاني" الصغيرة كانت تخاف وتبكي وتتوقف بالفعل في أغلب الأحيان عن الخطأ أو الفعل الذي يضايق أختها.

ولأنني كنت الطرف المراقب انتبهت لمدى سوء تجربة التهديد كلما كنت أرى الحزن والخوف في ملامح الصغيرة، وانتبهت أيضًا أن ابنتي الكبرى تفعل تمامًا كما أفعل، أنا أمارس التهديد طوال الوقت "مش هنخرج، هحرمك من المصروف، هشيل اللعب، هشيل الألوان" وهكذا من طرق التهديد المختلفة.

الحقيقة وفي لحظة نادرة من لحظات التصالح مع العالم والاعتراف بالخطأ جلست للتحدث مع ابنتي الكبرى، لأنها الوحيدة في بناتي التي تستطيع أن تتفهم ما أقول بحكم سنها (10 سنوات)، أخبرتها أنني أريد أن نتوقف جميعًا (وأقصد كل من في المنزل) عن استخدام صيغة التهديد. تعمدت أن أستخدم صيغة الجمع، أنا بالفعل كرهت صيغة التهديد تمامًا، لم أحب نظرات الشعور بالقهر ولا دموع الخوف في أعين بناتي، اكتشفت فجأة مدى صعوبة الأمر، أن يأتيك التهديد والخوف من أقرب الناس والذين تنتظر منهم غالبًا الغوث والحماية.

عقدنا معًا اتفاقًا بألا مزيد من التهديد، أخبرت ابنتي أن لا تخشى من أي تهديد مهما كان حتى لو كنت أنا مصدر هذا التهديد، مع وعد لها أنني سأتوقف تمامًا عن التعامل بهذه الصيغة ووعد منها ألا تمارس التهديد على أي من أختيها الأصغر، وبالتأكيد لا تمارسه على أحد من أصدقائها أو زملائها.

في لحظة أخرى من لحظات الصفاء أخبرتها أن لا تخشى أي تهديد خارجي وأن تتأكد تمامًا أنني سأكون خلفها في أي موقف حتى لو كانت مخطئة، قلت لها لا تسمحي لأحد أن يهددك بي، تأكدي دائمًا أنني سأتفهم أخطاءك ولن أكون مصدر تخويف لك، لذلك لا تسمحي لأحد بابتزازك خوفًا مني ولا من أي أحد، ولا تسمحي لأحد بتهديدك مهما كانت الأسباب.

أما المدرسة (معقل الخوف والتهديد)، لأن أغلب المعلمات لا يهتممن كثيرًا بحل المشكلات ولا يرغبن في تضييع الوقت للبحث عن جذور المشكلة، ولا يجدن حلاً سوى التهديد المستمر، أخبرتها أنه إذا حدثت مشكلة ما في المدرسة وكنتِ على صواب أو خطأ تأكدي أنني سأكون بجوارك دائمًا، ولا تخفيها عليّ، وإذا هددتك المعلمة بأنها سترسلك للمديرة مثلاً لا تبكي ولا تترجيها لمسامحتك، بل تقبلي الأمر بهدوء وأدب دون ردود سخيفة على المعلمة.

أخبرتها أنني أثق بمديرة المدرسة، قلت لها تعاملي مع الأمر بهدوء واحكي للمديرة ما حدث دون كذب حتى لو كنتِ مخطئة.

طمأنتها وأخبرتها أن المديرة ستستمع لها وربما تطلب وجودي لو احتاج الأمر، وأكدت لها أن الجميع يخطئ والخطأ أمر وارد في حياة الإنسان والله يتقبل اعتذارنا وتوبتنا، والأوْلَى بنا أن نتقبل اعتذار بعضنا بعض.

بعدها بأيام حدثت بالفعل مشكلة بين ابنتي وزميلة لها، وكالعادة هددتها المعلمة بأنها ستأخذها للمديرة، كانت تحكي لي وهي سعيدة أنها لم تخف من التهديد ولم تبكِ كزميلتها، وعندما أخذتها المعلمة للمديرة كانت أكثر تماسكًا، واستطاعت أن تحكي للمديرة ما حدث تمامًا دون بكاء ودون خوف، ولم يحدث شيء أكثر من أن طلبت المديرة منها أن تعتذر لزميلتها والعكس، في وسط تعجب من زملائها ومعلمتها من عدم خوفها من التهديد بالمديرة.

مصدر الخبر : نوون

اخبار متعلقة

اضف تعليق